تسود حالة من الارتباك عموم الوضع الانتقالي القائم في السودان، وهو وضع مفهوم في سياق تداعيات الانتقال نفسه، ما ينسحب أيضا على قطاع الاتصال والإعلام بشكل خاص، وقد ظهرت محاولات جادة من أجل تقديم مقترحات تناسب هذا الوضع عبر ندوات ولقاءات متخصصة ومقترحات لخبراء وعاملين في مجال الاتصال ووسائله المختلفة، لكنها لم تتبلور حتى الآن في رؤية متماسكة قابلة لأن تشكل استراتيجية وطنية لدور الاعلام، لذا تحاول سلسلة المقالات هذه تقديم أفكار لما يمكن أن يمثل الاطار النظري لدور الاعلام في هذه الفترة التي تُعد نقطة تحول في سيناريو المستقبل السياسي للبلاد، معتمدين في ذلك على أن جوهر الأنتقال هو مفهوم التنمية الحقيقية والمشاركة المجتمعية الفاعلة التي تمثلت في الشعار الثوري الأساسي (حرية سلام وعدالة).

 (1)

لا يتفق المنظرين في هذا المجال على مفهوم واحد كما هو الحال في جميع العلوم الاجتماعية المرتبطة في الأساس بالإنسان، لكن الواقع الذي لم تنفيه أي نظرية علمية حتى الآن، أن الاتصال هو أم العلوم إذا جاز التعبير، إذ بدونه لا يقوم علما لفقدان أهم المقومات وهو المجتمع الذي ينشأ على الاتصال.

ويُمثل تطوير أفكار أفراد المجتمع وتكوين الاتجاهات الإيجابية للوصول إلى رأي عام نحو برامج التنمية، جوهر الاتصال التنموي، وهو مصطلح شائع لدى منظمات الأمم المتحدة بـ “الاتصال من أجل التنمية (C4D)”، ويُستخدم للإشارة إلى جميع الأنواع المختلفة للاتصالات التي يلزم حدوثها في المجتمعات إذا حدث تطور ديمقراطي مستدام.

ويشمل ذلك الوصول إلى المعلومات وتبادلها والحوار وابتكار المعرفة وفتح باب الوصول إلى المعرفة واتصال التطوير والاتصال الإستراتيجي والاتصال القائم على المشاركة والثقافة التعبيرية ووسائل الإعلام والبنية التحتية وتكنولوجيات المعلومات والاتصالات.

(2)

بينما ينخرط غالب المختصين في برامج العمل بالنسبة لقطاع الاعلام في السودان، يبرز أهمية عدم الاستعجال في الخوض بالتفاصيل الفنية والاجرائية قبيل التوافق الوطني على التوجهات الرئيسية للاتصال ووسائل الاعلام خلال هذه الفترة المفصلية، وطرح السؤال الضروري أي إعلام نريده في هذه الفترة؟.

للأتصال التنموي إرث قديم في السودان وله تجربة نظرية وعملية عالمية، لكنه محليا ظل أسير التنظير الأكاديمي لأسباب من بينها فشل العاملين بالمجال في مقاربة النظريات مع التطبيق العملي، إضافة للتجاهل المتعمد من قبل الحكومات المتعاقبة في السودان، بما فيها عهد حكومة الرئيس المعزول عمر البشير الذي عمد نظامه على تقديم تجربة مرتبكة للاعلام التنموي هدفت للتمكين في جوهرها، والمساعدة في السيطرة على أجهزة الدولة واكتساب المشروعية للحكم، ولم تراع الأهداف الحقيقية للاعلام التنموي، بل عدَ منظريها في مجال الاعلام هذا التخصص العلمي من أجندات (علمنة التعليم) التي وطن لها الاستعمار الأجنبي، لكنهم فشلوا بالمقابل في تقديم نظرية بديلة مستقلة تؤصل للاعلام التنموي، وظلت المحاولات في هذا الاتجاه لا تتخطى أدراج المكتبات الجامعية أو عصف بعض العقول المستنيرة.

(3)

تُعد الدكتور آمال عوض محمد الحسن من أبرز المفكرين السودانيين في هذا المجال، فقد أنجزت بحثا أكاديميا رفيع المستوى يتناول الاتصال التنموي الريفي، وهي من عرَف الاتصال التنموي بأنه مجموعة من البرامج المخططة التي تعتمد المشاركة في كافة مراحلها، التي تهدف إلى تقديم المعلومات والأفكار والأساليب المتضمنة في عمليات التنمية بحيث يمكن للجمهور المستهدف التفاعل معها والاستجابة لها.

وتشير الدكتورة آمال عوض إلى نقطة جوهرية ظلت أزمة تواجه الدول الطامحة في تحقيق التقدم في مجالات التنمية، وهي ما يمكن تسميته بخطر محاولات استلاف الوصفات جاهزة من الدول الأخرى وتطبيقها على الواقع المحلي، ما ينتج تشوهات حادة في التجربة الوطنية، وتصل مرحلة تفتيت المجتمع بتوسيع مساحة الاختلاف بين مكوناته، وفي هذا الصدد تنبهت الدكتور آمال عوض إلى إن التفاعل والاستجابة في عملية المشاركة التي تُعد العنصر الأهم في مفهوم الاتصال التنموي، لا تتم إلا إذا كان محتوى الاتصال نابع من واقع المجتمع المعين ومعبر عن آماله ومشاركته وطموحاته.

(4)

للأعلام التنموي، العديد من النظريات العلمية، ويلاحظ أن كافة النظريات تهدف للتأثير الاعلامي على الجمهور بهدف التنمية والتقدم والتغيير الاجتماعي دون تصنيف للمجتمع على أساس ديني أو عرقي أو لون أو جنس، مع الاتفاق على مراعاة البيئة التي يعيش فيها المجتمع واحتياجاته الخاصة للتقدم والنهضة.

كما تتفق جميع النظريات على الدور المشارك وليس التابع للصحافة ووسائل الاعلام المختلفة في عملية التنمية، بل ترى هذه النماذج والنظريات أن تحقيق التنمية لا تتم دون مشاركة أصيلة للصحافة ووسائل الإعلام الأخرى.

ولعل الاطلاع على النظريات العديدة في الاعلام ومراجع الاتصال يمكن بوضوح ملاحظة توافقها على عناصر الاتصال رغم اختلافها في دوره وتأثيره بناء على بيئة المجتمعات وتنوعها وأنظمتها الاعلامية المختلفة.

وقد اتضح بأن هذه النظريات متفقة في أهدافها أكثر مما هي مختلفة حسب بحثنا في الأسس التي انطلقت منها هذه النظريات المستمدة من الشريعة الإسلامية أو الأديان السماوية الأخرى –التي تستهدف تنمية الانسان أساسا-، أو كانت بمفاهيم متنوعة مثل النظرية التنموية، ونظرية المسؤولية الاجتماعية، والنظرية النقدية التي يزعم نقادها بأنها لا دينية.

ويستخلص من كل هذه النظريات ما نطلق عليه مفهوم (النظام الإعلامي التنموي المختلط)، وهو النظام الذي نقترحه لأن يكون اطارا نظريا محدد المفهوم للدور الذي يمكن أن تلعبه وسائل الاعلام في المشروع الوطني الانتقالي إذا توفر قريبا.

….نواصل

Source: باج نيوز