لن يختلف اثنان فى اهمية السلام بالنسبة لاى مجتمع و لاى دولة .. خاصة لدولة مثل السودان .. لم يذق طعم الاستقرار منذ فجر استقلاله ..لذا لن يختلف اثنان ايضا حول اى خطوة يمكن ان .. او على الاقل يؤمل ان تحقق السلام والاستقرار .. عليه لن يختلف اثنان ايضا فى دعم ومباركة ما يجرى من جهد الان فى جوبا .. ولن يشكك فى جدية الاطراف هناك فى البحث عن هذا السلام و ذلك الاستقرار .. ولكن .. كل هذا لن يغير من حقيقة ان حسن النوايا وحده لا يمكن ان يحقق ذلك السلام المنشود .. كذلك ان الدعم ليس بالضرورة ان يكون بالمباركة والتصفيق و التأييد لكل ما يجرى .. بل ان بذل النصح وإبداء الملاحظات يكون احيانا أجدى من التأييد الأعمى والهتاف الأجوف .. ولان كل ما يجرى هو محض جهد بشرى .. فمن الطبيعى ان يشوب ذلك الجهد بعد القصور .. و ان يغم عن المجتهدين بعض زوايا الرؤية المهمة ..!
ابتداءا .. فثمة تحفظات لدى البعض عن المنبر نفسه .. بدءا ولإزالة اى لبس فجوبا هى جوبا بكل رمزيتها وتاريخها ودلالاتها لدى اهل السودان فى شماله كما فى جنوبه.. يرفع الناس هنا قبعاتهم تعظيما لجوبا .. سلطة وساسة ومجتمعا .. ولكن .. لا شك ان جوبا تعلم قبل الخرطوم .. ان للسلام استحقاقات ومطلوبات .. لا بد من الوفاء بها .. لترجمة مخرجات اى تفاوض لعمل فعلى ونقله الى ارض الواقع .. والمجتمع الدولى بخبرائه ومنظماته يتحدث الان عن مبلغ ستة مليار دولار .. بمعدل مليارى دولار لكل عام من أعوام الانتقال .. لمقابلة احتياجات ذلك السلام .. ليبقى السؤال .. ما هى الجهة القادرة على الوفاء بهذه المبالغ ..؟ وليس سرا ان الاجتماع المزمع عقده منتصف هذا الاسبوع بواشنطن ويضم اصدقاء السودان .. سيبحث ضمن قضايا اخرى ذات الامر .. ولسبب من هذا جاءت مطالبة البعض .. و بعض هذا البعض من المشاركين فى منبر جوبا الان .. بالبحث عن منبر بديل يحتضن مفاوضات السلام .. ويفي فى ذات الوقت بمطلوبات ذلك السلام.. ومن الخيارات التى طرحت على التوالى .. الدوحة ثم ابوظبي .. وقد يقول البعض ان على المجتمع الدولى المساهمة فى عملية السلام غض النظر عن المنبر الذى يحقق ذلك السلام .. ولعل التجارب السابقة .. موتمر المانحين بأوسلو ٢٠٠٤ الذى تعهد بتقديم اربعة مليارا ت دولار .. ثم انتهى الى صفر كبير .. يدفع البعض للتفكير بشكل مختلف هذه المرة .. ولعل تجربة الدوحة مع اتفاقية سلام دارفور .. مع ما شاب التنفيذ من خطل لم يكن مسئولية المانح .. يبدو نموذجا افضل ..!
اما موضوعا .. فيظل المأخذ الاكبر لمنبر جوبا تجاوزه او فشله فى ضم كيانات لا يمكن تجاوزها .. مثل قوى اعلان الحرية والتغيير و حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور .. هذا يعنى ببساطة ان المنبر حتى وان نجح فسيفضى الى مشروع ناقص للسلام .. وهذا ما نسميه اعادة انتاج الازمة القديمة .. ثم تأتى بعد ذلك تلك الخطوة الغريبة والمربكة من المجلس السيادى .. ففى الوقت الذى كان ينتظر فيه الجميع تشكيل مفوضية السلام .. كانت المفاجاة السيادية بإعلان قيام المجلس الاعلى للسلام .. فى تجاوز واضح للوثيقة الدستورية نفسها .. ولو ان المجلس السيادى بوصفه الراعى لعملية السلام قد اتبع خطوات منطقية لتشكيل المجلس هذا لكان مقبولا .. كان يكون مفهوما مثلا .. ان يدعو السيادى لحوار داخلى واسع .. يضم كل السودانيين .. بمختلف اطيافهم وألوانهم وافكارهم .. حوار يستوعب حتى المعارضة الراغبة فى التوافق الوطنى .. بما فيهم الاسلاميين بمختلف كياناتهم .. على ان يفضى ذلك الحوار .. للاتفاق على كل ما يجب الاتفاق عليه بالارتكاز الى المصالح العليا للوطن ومواطنيه .. ثم يأتى المجلس الاعلى للسلام معبرا عن هذا التوافق .. ثم يفرز ذات المجلس مفوضية قومية للسلام تكون مهمتها ومناط تكليفها تنفيذ ما يتفق عليه ..!
اما هذه القفزة الماثلة الان فلم تفعل غير العودة بالحصان الى ما خلف العربة ..!

Source: باج نيوز