*لكاتب السطور أدناه، العبد الفقير إلى ربه؛ رأي يعارض سؤال “من أين جاء هؤلاء” الشهير الذي طرحه علمنا الروائي، الطيب صالح، في بداية تسعينيات القرن الماضي، حينما أصابته الحيرة والاندهاش سنواتئذ، وهو يتفكر أفعال وأقوال نظام الجبهة الذي انقلب على الحكم في 1989 وقطع الطريق أمام التطور الديمقراطي المرجو، ورأيي المعارض للسؤال الشهير ربما يفتح الأقواس لتشملنا جميعاً صيغته الاستفهامية.

*إن رموز النظام السابق الذين عناهم استفهام الطيب صالح،خرجوا من صُلب فشلنا، ومن رحم خيبتنا. ورضعوا من ثدي معلول في جسد مجتمعنا، وفطرتهم تجارب التسلط والجبروت، وغذتهم أفكار العدم والوهم والإلهام الزائف، لولا أنهم تفردوا بخاصية بؤس التفكير والتدبير.

سأناقش الفكرة بحذر شديد، ومرد هذا الحذر يعود إلى ثلاثة أسباب؛ أولها الخشية من وضع النفس في منزلة من يأخذ ويرد على الطيب صالح. والثاني، مكانة سؤال من “أين جاء هؤلاء” عند المثقفين السودانيين. والثالث، حادثات دعت حقاً للتساؤل: “من أين جاء هؤلاء”؟

*مثلاً؛

عرفت تواريخ كثير من البلدان، والسودان ليس استثناء، قصص الإعدامات السياسية المرتبطة بمحاولات انقلابية! لكن إعدام (ضباط 28 رمضان) على يد الجبهة الإسلامية، قصة أخرى؛ إذ كان أسرع حكم من نوعه في تاريخنا. لم تتوفر فيه أبسط قيم العدالة، وتم قبر المحكومين كيفما اتفق، دون غسل جثامينهم التي لم تُزين بأكفانها، ولم تُعطر بالطيب والمسك، ولم يسجوا على “ود اللحد”. وجميعها أمور من سنن معظمة جاء بها رسول عظيم ، محمد صلى الله عليه وسلم. وعظيم أن البروفيسور عبد الله علي إبراهيم نبهنا إلى أن الجسد قد ينتمي إلى السياسة، لكن الجثمان يتبع إلى الدين والأخلاق، ومن هنا وجب تكريمه.

*لم يكتف “هتلريو زمانهم” بكل ذلك، بل لم يتركوا الضباط ليكتبوا وصاياهم، ومُنعت أسرهم من نصب سرادق العزاء. ولو كان بمقدور “أبناء الترابي” لمنعوا نزول الدمعة، وكتموا الآهة والأنين والنحيب على القلوب المصدورة.

*بشهادة كثيرين، واجه ضباط 28 رمضان الأمر ببسالة، واحتملته الأسر بصبر واحتساب. ومن مآثر شجاعتهم ما ذكره الفريق أول عبد الفتاح البرهان في مقابلته مع (قناة الجزيرة)؛ إذ بين أن شجاعة ضباط 28 رمضان، تجلت في رفضهم ذكر أسماء رفاقهم الآخرين الذين شاركوهم الفكرة والتخطيط والتنفيذ. ومنهم البرهان؛ فاستحقوا بذلك التكريم اللائق، حسب ما جاء على لسان رئيس مجلس السيادة.

من المؤكد أن التكريم، ومهما كان شكله وجوهره، فإنه لن يرد الأرواح الطاهرة إلى الأجساد الذكية، ولن يعوض فتاة اليوم، طفلة الأمس، عن حنان والدها. ولن يعوض كذلك أمهات هن الآن على حواف القبور. لن يعوضهن سنوات المرارة والأسى والذل والمهانة، ولو أن البرهان الذي حولته الأقدار، وشجاعة الأبطال، من محكوم فرضياً بالإعدام إلى قمة الهرم العسكري، يريد فعلاً تكريم أولئك الضباط، عليه، واليوم قبل الغد، البحث عن مكان قبور الضباط. وهو واجب ليس صعباً، حتى تتمكن تلك الأسر من إعادة دفنهم بكل آوامر السُنة النبوية المطهرة وأعراف المجتمع. وأن تنظم لهم جنازة رسمية وشعبية. ولو حدث ذلك سيكون البرهان قد أوفى لرفقاء السلاح والفكرة والتخطيط والتنفيذ. وإلا سيكون خذلان الرفاق أشد مرارة من ظلم الخصوم، وسيتحول سؤال الطيب صالح إلى صيغة أعم: من أين جئنا جميعاً؟

Source: باج نيوز