*مدى الفاتحكان يوم الأحد الماضي مليئاً بالتشويق، فمنذ أن تسربت الأنباء عن قرب اتفاق يعود بموجبه عبد الله حمدوك لمنصبه كرئيس للوزراء، دخل السودانيون في حالة من الترقب وانقسموا ما بين من ظن ذلك مستبعداً، ومن تمنى أن يكون ذلك، بما يعنيه من انتهاء لحالة الاحتقان والتوتر الشعبي، ممكناً.

*قبل هذا اليوم بحوالي الشهر، كان قائد الجيش السوداني الفريق عبد الفتاح البرهان قد اتخذ سلسلة إجراءات عزل بموجبها رئيس الوزراء من منصبه، وأقال الحكومة مع تعطيل بعض بنود «الوثيقة الدستورية» دستور الفترة الانتقالية. الطريقة التي قام بها الجيش بالتدخل، ثم احتجاز رئيس الوزراء نفسه واعتقال قيادات تنفيذية جعلت الكثيرين يطلقون عليها تسمية الانقلاب. خلال الأسابيع اللاحقة كانت القيادة العسكرية السودانية تتعرض لضغوط غير مسبوقة وصلت حد سعي الكونغرس الأمريكي لفرض عقوبات صارمة عليها، والإيعاز إلى الصناديق الدولية والدول المانحة بوقف كل تعاون مع السودان.

*منذ البداية كان البرهان يتحدث عن حمدوك باحترام، حتى إنه قال، إن احتجازه كان بسبب الحفاظ على سلامته، وإنه سكن في منزله لأيام قبل أن يبدأ فترة إقامة جبرية. أوضح البرهان في تصريحاته أن دوافع الجيش للتدخل لم تنتج عن موقف من رئيس الوزراء، بقدر ما كان الغرض منها إبعاد مجموعة قليلة من الأحزاب التي سعت لاستغلال الوضع الانتقالي، والعمل على التمكين، بغير حق، لنفسها وكوادرها. المشكلة كانت، وفق سياق حديث قائد الجيش، هي أن هذا الانشغال بالتمكين والتأسيس الحزبي وتقسيم الغنائم الوزارية والسلطوية، كان يؤثر في دولاب العمل ويضيع الكثير من وقت وجهد رئيس الوزراء. بالنسبة للمجتمع الدولي، الذي تمثله الدول الكبرى والمنظمات الدولية الأكثر تأثيرا، على المستوى العالمي، وعلى مستوى الفضاء السوداني، فإن عودة حمدوك كانت مهمة من أجل إثبات أن الجيش لم يكن طامعاً في السلطة، ولمعرفته بذلك كان رئيس المجلس السيادي يؤكد في كل مناسبة، أن المشاورات لا تزال جارية مع حمدوك، وأنه على الرغم من أنه كانت توجد أسماء أخرى مرشحة، إلا أن الأفضلية كانت له.

*اليوم يكون من أهم فوائد الاتفاق الجديد إنهاء حالة الاتهامات المكثفة للجيش بالقفز على الديمقراطية، أو الانقلاب، حيث لم يعد هناك مبرر لذلك بعد عودة رمز الفترة المدنية الأهم إلى منصبه، وبعد التوقيع على بنود جديدة تحفظ لكل من المدنيين والعسكريين حظوظهم في سلطة مهمتها الأساسية هي تهيئة الجو لانتخابات حرة.

*خلال عامين قضتهما أحزاب «الحرية والتغيير» في الحكم لم تنجح إلا في توسيع معسكر أعدائها

*مرة أخرى نذكّر أن الحكومة الانتقالية، في نسختها الأولى، التي سيطر عليها ائتلاف «الحرية والتغيير» لم تقم بأي خطوة جادة خاصة بالاستعداد للانتخابات، لا على صعيد القانون، ولا على صعيد التعداد السكاني، ولا حتى على صعيد التحضير الحزبي، كأن مخططها كان البقاء في السلطة بشكل انتقالي لأطول فترة ممكنة. من هنا يبدو حديث ممثلي ذلك التحالف من أعضاء ما يسمى «المجلس المركزي» عن تغول الجيش على السلطة، وتباكيهم على «المسار الديمقراطي» الذي تم قطع الطريق عليه، مثيراً للسخرية، فقد أثبتت تجربة العامين الماضيين أن الشمولية المدنية قد تكون مماثلة في قسوتها للشمولية العسكرية. كان بإمكان «قحت» قوى الحرية والتغيير، أن تبقى في المشهد لوقت أطول، إن هي تعاملت بكياسة واستمعت إلى النصائح حول ضرورة توسيع المشاركة السياسية، وفتح الباب لجميع الفاعلين من أحزاب من خارج الائتلاف، ومن ممثلين للحركات المسلحة، الذين عادوا للبلاد عقب اتفاق جوبا للسلام العام الماضي، لكن «قحت» التي تسربت إليها سكرة السلطة كانت تضرب بجميع تلك النصائح عرض الحائط، حتى أنه وصل بها الأمر لتهميش أحزاب ومجموعات منضوية داخل إئتلافها نفسه.

*كان الائتلاف الحاكم يراهن على عاملين أساسيين، ساهم سوء التقدير حولهما بصنع كيان أخذ حجماً أكبر بكثير من حجمه الحقيقي. أول هذين العاملين هو عامل الدعم الخارجي، فقد كان واضحا ما كانت تجده الحكومة المدنية من تعاطف دولي، ساهم في تحسين صورتها وغض الطرف عن تجاوزاتها الكثيرة، خاصة في المجالات الحقوقية. كان من الواضح أيضاً أن «المجتمع الدولي» الذي كان يرى في التجربة السودانية قصة نجاح، رغم ما شابها من قصور، لن يسمح لأي مغامر بالعمل على إسقاطها. العامل الثاني هو ما كانت تسميه حاضنة الحكومة الاجتماعية بـ»الشارع» فقد كانت تجربة «تجمع المهنيين» الذي كان ينادي الناس للتظاهر والإضراب فيستجيبون بلا تفكير، ما تزال حاضرة في الذهن السياسي، وكان الفاعلون السياسيون على ثقة في أنهم قادرون على تحريك الشارع، بما يضمن إحباط أي تهديد جاد. للأسف فإن هذا الرهان كان خاسراً ونتج عنه سوء تقدير كبير، فأما بالنسبة للمجتمع الدولي، فقد اتضح أنه لم يكن مصراً على وجود ممثلي أحزاب بعينها بقدر ما كان يكتفي بالتأكيد على ضرورة أن لا ينفرد العسكريون بالحكم، وهو ما اتضح منذ البيانات المنددة الأولى المطالبة بالحكومة المدنية والتي فهمها، خطأً، أنصار «قحت» على أنها مطالبة بعودة الأسماء ذاتها إلى مقاعدها نفسها. لاحقاً تبين أن دولاً مهمة كانت تصر على عودة حمدوك إلى الحكم، لكن حتى في هذه الحالة فإن المقصود كان شخص حمدوك فقط.

*بالنسبة لعامل الشارع والتحشيد، فقد كانت هناك حقيقة ترفض «قحت» الاعتراف بها وهي أن شارع عام 2019 ليس كشارع اليوم. لم تكن الاختلافات حينها قد ظهرت بعد، ولا مطامع السلطة، والأهم أن أحزاب «قحت» لم تكن أيضاً قد ظهرت، بل كان أبناء الأحزاب يعلنون ويؤكدون، بشكل خادع، أنه لن تكون هناك محاصصات حزبية في الفترة المقبلة ولن يتم الاعتماد إلا على الكفاءات المحايدة سياسياً. خلال عامين قضتهما أحزاب «الحرية والتغيير» في الحكم لم تنجح إلا في توسيع معسكر أعدائها، فبالإضافة إلى جموع الإسلاميين، الذين تم وضعهم في سلة واحدة، على ما بينهم من تباينات، على اعتبار أنهم جميعاً كانوا حلفاء لنظام البشير، اكتسبت عداء أحزاب كانت موقعة على ميثاق الحرية والتغيير، ثم اكتسبت عداء كثير من الشخصيات والتيارات المستقلة، التي لم تكن ترى أن برنامج الحكومة الانتقالية وتصوراتها لحكم السودان تمثلها، ثم اكتسبت عداء ممثلي الأقاليم، سواء من الزعامات التقليدية أو الحركات المسلحة، وغير أولئك كثير، حتى باتت التظاهرات التي تخرج ضدها أكثر بكثير من المظاهرات المؤيدة لها.

*سوء التقدير أدى لدخول مناصري «قحت» في حالة من الصدمة عقب قرارات قائد الجيش، سرعان ما تحولت لشكل من أشكال الهيستريا السياسية التي جعلت قيادات تنفيذية على رأسها مريم المهدي، وزيرة الخارجية في الحكومة السابقة، تحاول ما بوسعها استخدام نفوذها وعلاقاتها في التواصل مع الجهات الدولية من أجل حثها على ممارسة ضغوط كافية، لإفشال تحركات البرهان واستعادة «الحكم المدني»: حكومة المحاصصة الحزبية. من جهة أخرى تمادت «الحاضنة» في تشويه صورة كل من اتفق مع البرهان في رؤيته ووصفه بالخيانة، خاصة من قبلوا بالانضمام للمجلس السيادي أو من دافع عن «تصحيح المسار» وهي ورطة أخرى تجد تلك الحاضنة نفسها فيها بعد الاتفاق مع حمدوك، فرمز الثورة الذي أطلق الشباب عليه لقب «المؤسس» لا يمكن أن يكون خائناً.