:: فبراير 1957، تم تنظيم أولى منافسات كأس الأمم الأفريقية بالخرطوم، وشاركت فيها أربع دول، وهي السودان ومصر وإثيوبيا، ثم دولة جنوب أفريقيا التي تم إبعادها بسبب التفرقة العُنصرية لحكومتها، وفازت مصر بكأس البطولة بعد هزيمتها لإثيوبيا في النهائي (4/صفر).. وفي العام 1970، استضافت الخرطوم أيضاً النسخة السابعة لأمم أفريقيا، وشاركت فيها ثمانية منتخبات، وفاز السودان بالكأس بعد الانتصار على غانا في النهائي (1/ صفر)..!!
:: هكذا كانت الخرطوم تحتضن منافسات القارة.. وقد جار عليها الزمان، وجردها من كل أشيائها الجميلة، بما فيها الملاعب الصالحة للعب.. فالملاعب كما حواشات المشاريع الفاشلة.. الأرضية مرتفعات ومنخفضات ومستنقعات، وجفاف النجيل، وكراسي تصيب الجالسين عليها بالتيتانوس، ومداخل الملاعب ومخارجها بذات ضيق مداخل ومخارج مقابر الفراعنة، وغُرف اللاعبين لا تختلف عن زنازين كوبر إلا بمقدر روائح الصرف الصحي..!!
:: وكان من الطبيعي أن يصدر الاتحاد الأفريقي لكرة القدم قراراً مؤلماً بحظر جميع ملاعب البلد من استضافة المنافسات القارية، للأندية كانت أو المنتخبات.. واليوم يسأل المسؤولين عن منتخبنا القومي وأنديتنا المشاركة في المنافسات الأفريقية، يسألون السادة المسؤولين بمصر والمغرب ملاعبهم، ليعطوهم أو يمنعوهم.. (ملعب لله يا مُحسنين)، هكذا يتسول كمال شداد وحسن برقو، وزعماء الهلال والمريخ وأهلي مروي والوادي نيالا..!!
:: ولعلكم تذكرون، في مارس العام الماضي، بعد أن تلقت الحكومة تحذيراً من الاتحاد الأفريقي بالحظر، أصدر رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان قراراً بتشكيل لجنة لتأهيل الملاعب.. لكن تم تجميد قرار لجنة التأهيل في اليوم التالي لصدوره، بناءً على رغبة الناشطة ولاء البوشي، وكانوا قد نصبوها وزيرة للرياضة، رغم أن معرفتها بالرياضة وقوانينها كمعرفة جدتي بتكنلوجيا هندسة الطيران.. وبعد عام من تجميد لجنة تأهيل الملاعب، تم حظر الملاعب لعدم الصلاحية..!!
:: والمؤسف أن قرار حظر الملاعب البلد – من استضافة المنافسات – لم يُحرك ساكناً في سُلطات الرياضة، أي لا تُبالي بالحظر طالما الفُرق تخرج من مولد المنافسات بلا حمص.. وحالها كحال سلطات الطيران المدني عندما حظرت المفوضية الأوروبية الطيران السوداني عن التحليق في دول الاتحاد الأوربي، بحيث قال الناطق باسم الطيران: (لن تتأثر حركة الطيران السوداني بالحظر، لأن شركات الطيران السودانية – أصلاً – لا تسير رحلات إلى دول أوربا)..!!
:: وسلطات الرياضة أيضاً لاتبالي بحظر الملاعب، لأن فُرقنا عاجزة عن تحقيق الانتصارات والفوز بالبطولات.. ولا مبالاة السلطات بحظر الطيران والملاعب، لعجزها عن التفوق والريادة، تُذكرني بحكاية القرد الذي ظل يسرق ثمار حديقة أحد الشيوخ، وعندما نصحه عُقلاء الغابة بالكف عن السرقة قبل أن يسخطه صاحب الحديقة بالدعاء، أجابهم بمنتهى اللامبالاة: (أنا أصلاً قرد، يعني شيخكم لمن يسخطني ح يقلبني غزال؟)..!!
:: على كل حال، مُعيب للغاية بأن نستجدي الآخرين الملاعب أيضاً، أي كما نستجديهم القمح والوقود.. والمسؤولية جماعية، وليست الحكومة وحدها.. أي كما الحكومة، فإن الأندية والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني والشركات أيضاً مسؤولة عن هذا التردي.. هبُّوا للدفاع عن كرامتكم وصيانة الملاعب..!!