شائعة الانقلاب.. من يمهد الطريق للمغامرة؟

Sudan News

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

الخرطوم: عبد الرحمن صالح
للبلاد سجل حافل بالانقلابات العسكرية الناجحة والفاشلة منذ الاستقلال في عام 1956م، وحدثت في البلاد منذ الاستقلال اكثر من عشر محاولات انقلابية نجحت منها ثلاث، وقتل عدد كبير من الضباط في المحاولات الانقلابية الفاشلة، فهناك اجيال مختلفة من المواطنين ظلت تسمع الخطابات ودوي المارشات العسكرية استعداداً لاذاعة انقلاب عسكري على الحكم، فما هي حكاية العسكر والسلطة في البلاد؟
عجلة الحكم تدور بشكل منتظم منذ الاستقلال (الدائرة الخبيئة) حكم ديمقراطي، صراعات حزبية ثم انقلاب من العسكر، والدورة الاولى لعجلة الانقلابات العسكرية كانت في الاول من يناير 1956م عندما نالت البلاد استقلالها وتشكلت اول حكومة وطنية ديمقراطية، ولكن الخلافات بين الاحزاب تسببت في أزمة سياسية، وبعد عامين وقع أول انقلاب في تاريخ البلاد بقيادة الفريق ابراهيم عبود.
(1)
ويعتبر انقلاب الفريق ابراهيم عبود في عام 1958 اول انقلاب ناجح في تاريخ البلاد ضد حكومة ديمقراطية بين حزب الامة والاتحادي الديمقراطي، وسرعان ما شكل الانقلابيون حكومة عسكرية برئاسة عبود حكمت لفترة سبع سنوات، وتخللت محاولة انقلاب 1958م محاولة انقلابية أخرى قادتها مجموعة من الضباط، وهي المحاولة الوحيدة التي يتم فيها استيعاب الانقلابيين في نظام الحكم بدلاً عن اقتيادهم الى المشانق او الزج بهم في السجون في افضل الاحوال. وقد شجع هذا التعامل المرن مع الانقلابيين على تدبير انقلاب آخر ضد عبود، ولكن هذه المرة تعامل معه نظام عبود بالحسم، حيث حكم على خمسة من قادة الانقلاب بالاعدام شنقاً وزج بالآخرين في السجون، وظل عبود يحكم الى أن اطاحت به اكبر ثورة شعبية وقتها في البلاد ثورة اكتوبر في عام 1964م، لتأتي حكومة ديمقراطية جديدة.
(2)
وظلت النظم الديمقراطية في البلاد يعتريها استقطاب حاد وبلبلة سياسية تهيئ الارضية للانقلابات العسكرية، وشهدت البلاد انقلاباً عسكرياً في 25 مايو 1969م قاده العقيد آنذاك جعفر نميري ومجموعة من الضباط المحسوبين على الحزب الشيوعي، ومن ابرز قادة الانقلاب اللواء خالد حسن عباس وزين العابدين محمد عبد القادر وابو القاسم محمد ابراهيم وابو القاسم هاشم وهاشم العطا وبابكر النور وفاروق حمدنا الله، واسس النميرى نظامه الذى امتد (16) عاماً، ليعرف هذا الانقلاب بانه اكثر الانقلابات تأثيراً في البلاد، وحُكم نميري رغم تحسباته فقد شهد محاولات انقلابية كثيرة ولكنها فشلت جميعها، واشهر الانقلابات على نميري ما نفذه رفقاء دربه في 19 يوليو 1971م، وهو ما عرف بانقلاب هاشم العطا الذي استولى جزئياً على العاصمة لمدة يومين، ولكن النميري استطاع أن يعيد سلطته وينصب مشانق للانقلابيين من المدنيين والعسكريين. وفي عام 1975م وقعت محاولة انقلابية اخرى فاشلة، ولقي الانقلابيون حتفهم رمياً بالرصاص أو شنقاً حتى الموت، وفي عام 1976م حاولت القوى السياسية المعارضة لنميري قلب نظام الحكم وتسللت للخرطوم عبر الحدود مع ليبيا، وتعامل نظام نميري معهم بالعنف واعدم قائدهم.
(3)
ولم يتعرض نظام نميري بعدها لاية محاولة انقلابية الى أن عصفت به انتفاضة ابريل في 6 ابريل 1985م، وتناحرت الاحزاب من جديد وهيأت الارض لنشوء انقلاب عسكري في البلاد، وتدخل الجيش وقاد الجنرال سوار الذهب البلاد لعام واحد كفترة انتقالية، وسمح بعدها للاحزاب بالانتخابات التي اعادت النظام الديمقراطي الذي ترأسه الراحل الصادق المهدي لحكومة ائتلافية لمدة ثلاث سنوات، لكنها لم تكن اكثر حظاً من سابقاتها بسبب التجاذبات السياسية وتراكم المشكلات الاقتصادية في البلاد.
(4)
وفي فجر الثلاثين من يونيو في عام 1989م جاء انقلاب العميد حينها عمر حسن أحمد البشير بمساعدة الاسلاميين بزعامة حسن الترابي، وقد تعرض نظام البشير لعدة محاولات انقلابية خاصة في بداية عهده، اشهرها المحاولة التي عرفت بانقلاب رمضان في عام 1990م، وهي المحاولة التي انتهت باعدام (28) ضابطاً في الجيش المشاركين فيها بمن فيهم قائد الانقلاب. ووقعت في عام 1992م محاولة انقلابية نسبت الى حزب البعث السوداني وقد حسمها البشير عاجلاً وتعرض قادتها الى السجون، واستمر حكم الانقاذ لفترة (30) عاماً، وفي حين أن كل النظم الانقلابية بدأت عسكرية الطابع والتكوين، لكن سرعان ما تحولت الى تحالف عسكري  ــ مدني، وفي 11 ابريل من عام 2019م أعلن وزير الدفاع وقتها عوض بن عوف عزل الرئيس البشير واعتقاله، وبدء فترة انتقالية لعامين تتحمل المسؤولية فيها اللجنة الأمنية العليا والجيش، الأمر الذي رفضه تجمع المهنيين القائد للحراك الشعبي وقتها، واعتبره بيان انقلابيي النظام، وان سلطات النظام نفذت انقلاباً عسكرياً تعيد به إنتاج ذات الوجوه والمؤسسات التي ثار الشعب عليها، وطلب من الثوار مواصلة اعتصامهم أمام مباني القيادة العامة.
(5)
وفي 11 يوليو من عام 2019م أعلن المجلس العسكري الانتقالي وقتها احباط محاولة انقلابية نفذها عدد من الضباط والجنود وتم القبض فيه على (12) من الضباط، منهم سبعة في الخدمة وخمسة بالمعاش، وتم التحفظ على اربعة من ضباط الصف، وفي 24 يوليو أعلن الجيش عن إفشال انقلاب عسكري خامس منذ سقوط نظام البشير، وشملت الاعتقالات رئيس هيئة الأركان الفريق أول هاشم عبد المطلب، إلى جانب عدد كبير من كبار الضباط، وأمس الأول تداولت مواقع التواصل الاجتماعي خبراً عن كشف الجيش محاولة انقلابية خطط له ضباط نظاميون، لتخرج القوات المسلحة بياناً تنفي فيه وجود اية محاولة انقلابية في البلاد، وأن الاخبار التي تناقلتها بعض الوسائط مفبركة ومفادها أن القوات المسلحة رصدت محاولة انقلابية أشارت فيها لضلوع بعض الجهات باستخدام عناصر داخل القوات المسلحة.
ويرى مراقبون أن الحديث عن المحاولة الانقلابية الاخيرة غير صحيح، واعتبرها البعض ذريعة للتخلص من احد احزاب الحكومة الانتقالية لتغلغله داخل القوات النظامية وسعيه للسيطرة على مفاصلها كما كان يفعل نظام الانقاذ سيئ السمعة، وعدوا محاولة سيطرة الاحزاب على القوات النظامية أمراً خطيراً، لجهة أنه من المفترض ان يكون ولاء القوات النظامية اولاً واخيراً للقوات المسلحة، وأن تخلو من التخريب والجهوية والعنصرية لاي مكون من المكونات، وأن يكون انتماؤها خالصاً لخدمة الوطن، وشددوا على ضرورة أن تبتعد الاحزاب السياسية من القوات النظامية والجيش خاصة، وعدم ادخاله في معترك السياسة.
(6)
وهناك مثل سوداني يقول (كل راجل في رأسو عرسة وكل ضابط في رأسو انقلاب)، وبهذا المثل ابتدر الخبير الامني طارق محمد عمر حديثه لـ (الانتباهة)، وأكد ان التطلع لحكم السودان موجود في نفوس الضباط وفي وسطهم، ويذهب في حديثه الى أن اي انقلاب يتطلب اعطاء (الضوء الاخضر) من احدى الدول العظمى، لأن الانقلاب يحتاج الى تأييد وتمرير في مجلس الأمن، حتى لا يحدث حصار شامل للحكومة يمنعها من الاستمرار، واشار الى أن الحصار والمشكلات التي واجهتها حكومة الانقاذ عقب انقضاضها على السلطة، كفيلة بأن تجعل اي شخص يراجع نفسه، وقال: (ان الانقلاب سهل ان يحدث، ولكن يبقى السؤال ماذا ستفعل الجهة بعد أن تستحوذ على السلطة وتظل محاصرة؟ فسوف تتراجع وتسلم السلطة لمدنيين)، ويؤكد طارق ان الوضع الذي تمر به البلاد سيئ ومهيأ لحدوث انقلاب في ظل مطالبة بعض الجماهير بالتغيير، وقال: (ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، وهناك دول عظمى اذا لم تعط الضوء الاخضر لن تستطيع اية جهة القيام بانقلاب).
ويرى البعض أن الانقلابات العسكرية في البلاد مختلفة عن مثيلاتها في بعض الدول، لجهة ان الضباط عندما ينقلبون يسعون لتحقيق ما فشل فيه المدنيون، او حينما يفشل السياسيون في ادارة الحكم المدني الديمقراطي فإن خصومهم يلجأون الى حلفائهم العسكريين لينفذوا انقلاباً عسكرياً للدفع بمشروعاتهم السياسية الى الامام، مما يعني أن الانقلابات العسكرية في البلاد طوال تاريخها لم تكن انقلابات خالصة قامت من أجل تأميم السياسة والاستئثار بالحكم لصالح الجيش.
(7)
ويؤكد الخبير السياسي والمحلل الاستراتيجي خالد الهادي صعوبة حدوث انقلاب عسكري في البلاد في الوقت الراهن لعدة اسباب، لخصها في حديثه لـ (الانتباهة) في اختلاف مراكز القوى وعدم اتفاقها مع بعضها البعض، بالاضافة الى وجود أكثر من تسع حركات مسلحة داخل الخرطوم، ورفض الشارع الانقلابات العسكرية وتكرار تجربة الانقاذ، ووجود قوتين متوازيتين مثل الجيش والدعم السريع، ولا يمكن حدوث انقلاب الا باتفاق الطرفين وضمان انخراط الحركات المسلحة ضمن الاتفاق باعتبارها جزءاً من مكونات الحكم في البلاد، لجهة أن الحركات المسلحة تعتبر الجيش والدعم السريع هما الضامن الوحيد لاستمرارهم في الحكم، بخلاف المكون المدني الذي يعتبر انه ضعيف ومتشتت.
ويذهب خالد في حديثه الى أن المجتمع الدولي سيرفض اية محاولة انقلابية في البلاد لجهة أنه الداعم الاول لحكومة حمدوك باعتبارها حكومة ديمقراطية جاءت بعد ثورة عظيمة، ويؤكد أن الاوضاع الاقتصادية التي تمر بها البلاد جعلت المواطن منشغلاً بالازمات التي تحيط به وافقدته الثقة في اية جهة لذلك لن يقوم بتأييدها.
المحلل السياسي عمر ابراهيم يؤكد أن الوضع الراهن في البلاد لا يشي بأن هناك انقلاباً سوف يحدث، ولكن من المتوقع حدوث اي طارئ يجعل الانقلاب امراً متوقعاً، خاصة ان مكونات الحكم في البلاد سرعان ما تدخل في صراعات بسبب قضايا مفصلية. ويشير عمر في حديثه لـ (الإنتباهة) الى عدم وجود اية مقدمات او دلائل تشير الى حدوث انقلاب، ويقول ان الوضع الحالي للبلاد لن يجعل الاشخاص يذهبون الى أن هناك انقلاباً سوف يحدث، لجهة أن الوضع الآن في البلاد مستقر، والشراكة بين العسكر والمدنيين في افضل حالاتها، ويؤكد عمر ان فض بعض الملفات مثل فض الاعتصام وغيرها من الصراعات بين مكونات الحكم، يمكن أن تجعل البعض يفكر في الانقلاب.
(8)
وبالمقابل استبعد امين سر حزب البعث العربي الاشتراكي علي الريح السنهوري ما راج حول تسريبات عن ترتيب أحد الاحزاب للقيام بانقلاب عسكري، وقال للزميلة (أخبار اليوم) في عدد امس الاول إنه مع عدم استبعاد التحركات المغامرة، الا ان الظروف القائمة والمحيطة بالسودان لا تتيح لاي مكون او كتلة ناهيك عن حزب بمفرده ان يقوم بالانقلاب، وأكد السنهوري ان اي تحرك مغامر سيسقط بسرعة الضوء.

The post  شائعة الانقلاب.. من يمهد الطريق للمغامرة؟ appeared first on الانتباهة أون لاين.