حيدر المعتصم يكتب: سودان الثورة… هل من عقلاء (2)

Sudan News

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

د. حيدر معتصم
السؤال الذي ظل غائباً عن وعي و إدراك النخب السياسية السودانية منذ الإستقلال هو : ماذا نريد نحن السودانيين كسودانيين بعيداً عن أحزابنا و طوائفنا و أيدلوجياتنا و جهوياتنا و إنقساماتنا المختلفة بل تشظينا الذي أصبح نوعاً من الإدمان في الممارسة السياسية  وسط كل تلك المكونات الهلامية و لا أحد يسأل نفسه و لا حتى سراً عن : ماذا نريد نحن كسودانيين…؟ فالكل مشغول بقضايا و مسائل هامشية و منغمس في حالة من الفوضى السياسية الخلاقة، والغريب في أمر هذه النخب أنها في كدحها اليومي ضد بعضها البعض تسمع في كل يوم ألف مرة من أفواه الغلابي و تشاهد في كل يوم ألف ألف مرة في عيون التائهين من ملايين الشعب المغلوب على أمره على مدى عقود طويلة الإجابة على ذلك السؤال الذي ظل غائباً و عصياً علي ذاكرة هذه النخب السادرة في غيها  : ماذا نريد نحن كسودانيين..؟،وتحكي ملامح الزحف المقدس نحو صراع الحياة اليومي في عيون الناس وأفواههم وأحلامهم : نريد ببساطة أن نكون مثل بقية خلق الله في أرض الله، نريد بعض من أمان، و بعض من تعليم لأبنائنا و بعض من إستقرار إقتصادي و بعض من كرامة  و بعض من هوية و إحتفاء بالذات و بما نملك نتباهي به أمام الآخرين و قد صرنا أكبر المتسولين في سوق المسوخ و الضياع الأممي بعد أن أصاب ملامحنا ما أصابها من رهق الحياة لهثاً خلف سراب فتات موائد ثقافات و تقاليد الآخرين و نحن بين الشك و اليقين فيما نملك من قيم حضارية و موروثات ثقافية ثرة و من غرائب الصدف في خضم هذا الخبل النخبوي السوداني أن يرحل عن الدنيا في نهايات أغسطس الماضي عالم الآثار وليام أدمز الذي أهدي لنا مقولة : “ذهبنا للبحث عن إنسان بدائي فوجدنا حضارة بكامل نضجها “ في حديثه عن حضارة النوبة في شمال السودان.
لكم حلمنا كشعراء و كخطباء و موسيقيين و دراميين و غيرهم من المبدعين، لكم حلمنا بما نريد  نحن كسودانيين في أشعارنا و أغنياتنا و لوحاتنا و أعمالنا الدرامية.. كم حلمنا كما لم يحلم أي شعب في العالم مما يعد تعبيراً صادقاً عن عجز النخب السياسية في ترجمة ما قاله محمد عمر البنا و صلاح أحمد إبراهيم و محمد المكي إبراهيم و هاشم صديق و الصافي جعفر وعبدالقادر على و روضة الحاج و غيرهم مما  أنشد به المنشدون و تغني به المغنون ميرغني المأمون وأحمد حسن جمعة والكاشف و العطبراوي و ود الأمين و وردي و غيرهم ممن نصفق له و نطرب به حد الطرب و يطرب معنا السياسيون و يعجزون عن إفراغ تلك الأغنيات و تلك الأناشيد من مضامينها و شحناتها الحزبية و الأيدلوجية السالبة و تحويلها إلى مشروع وطني كبير، وهل يختلف الناس في بناء مدرسة أو مستشفي أو إنشاء مزرعة أو تشييد طريق أو غيرها من مشاريع تنموية و ماعلاقة ذلك بالأيدلوجيا أصلا و تلك بعض فضائل الأحزاب علينا أن علمتنا  أن نمارس علي أنفسنا  نوع من التعذيب و جلد الذات المصنف إكلنكيا في خانة الأمراض النفسية كأن نفرح  للإنجازات و نضخمها مهما صغرت حينما نكون في الحكومة و نحزن لذات الإنجازات و نبخسها مهما كبرت حينما نكون في المعارضة و نتلذذ بلسعات البعوض و تراكم الذباب من حولنا ماظلت تجلب اللعنات للحكومة بإعتبارها من الإخفاقات  دون أن ندرك في علاقاتنا كسياسيين ما هي المسافة بين الحكومة و الدولة و الوطن و دون أن نعي نحن كمجتمع مدني بدورنا تجاه الحكومة و الدولة و الوطن.
أكثر ما يميز النخب السياسية السودانية عن غيرها إفتقارها إلى الحس الجمعي على المستوى التنظيمي و الشخصي و إنكفائها على مشاريعها الحزبية و الطائفية و الأيدلوجية و الجهوية و خلو جداول إهتماماتها عن كل ماله علاقة بالوطن والمشروع الوطني وتلك نتيجة طبيعية لخمولها الذهني و خوائها الفكري و عدم تعلمها من تجاربهاو إصرارها على فرض مشاريعها الحزبية و الأيدلوجية الرخيصة عن طريق الثورات الشعبية و الإنقلابات العسكرية و حصر كل مايتعلق بالوطن و تأسيس المشروع الوطني في مصطلحات هلامية فارغة مثل المؤتمر الدستوري و المصالحة الوطنية و تلك كلمات محفوظة تكتب و تقال لمجرد الإستهلاك دون فكرة و دون تصور و من عجائب السياسة في السودان أن تصبح تلك المصطلحات المتعلقة  ببدايات تأسيس و بناء الدولة هي النهايات في مخيلة السياسي السوداني في ظاهرة لم نجد لها مثيل في التاريخ الحديث .
مايحتاجه السودان و السودانيين الآن و ليس غداً بعض من عقلاء السياسيين و المفكرين الذين يضعون الوطن في المقدمة مكان الحصان بتجرد و يضعون أحزابهم و أيدلوجياتهم و طوائفهم وجهوياتهم خلفاً مكان العربة بتجرد و بعض من جماهير تعرف دورها تجاه الحكومة و الدولة و الوطن بتجرد، فهل من مجيب…؟        نواصل…

The post حيدر المعتصم يكتب: سودان الثورة… هل من عقلاء (2) appeared first on الانتباهة أون لاين.