عبدالناصر عبدالرحمن يكتب: التمكين وازالة التمكين

Sudan News

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

بقلم :عبدالناصر عبدالرحمن مسبل

اعتقد الكثيرون أن سياسة التمكين التي إبتدعها عقل
التأليف الموجه للنظام السابق كان القصد منها تمكين الدين إعتمادا على مرجعية القرآن الكريم في الآية (55) من سورة (النور)..
بسم الله الرحمن الرحيم
(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا…) صدق الله العظيم
لم يكن الأمر كذلك على الإطلاق. المرجعية التي إنطلق منها (عقل التأليف) هي فلسفة إغريقية وردت في جزئي (رسالة أرسطو عن السياسة) (الأخلاق و السياسة). حيث أوضح أن السياسة تستند في مرجعيتها على الأخلاق بمثلما تتطلع الأخلاق بمنظورها إلى الأمام نحو السياسة. لم يكن أرسطو يفرق بين مجال عمل رجل الأخلاق و مجال العمل السياسي و قد ذكر أن الحياة الفاضلة لرجل الأخلاق يجب أن يحييها في المجتمع . هذا المدخل الهام جعله يلخص في نهاية (الرسالة) إلى ان التطبيق لفرضياته لا تتحقق وتعبر عن نفسها بصورة واقعية و عملية في مواعظ و نصائح لفظية أخلاقية توجه للأفراد و لكن تتحقق و تجد التعبير عن نفسها في فرص التشريع لرجل دولة سياسي….واجب هذا المشرع هو ان (يهيكل) إطار المجتمع الذي يجعل الحياة الخيرة ممكنة. السياسة بالنسبة لأرسطو ليست صراعا من أجل السلطة بين أفراد او طبقات وليست أداة تنفيذ لواجبات اولية كحفظ النظام والأمن..الدولة بالنسبة له هي (تجمعات خير) تتمثل في تكتل (توالي) عائلات المدينة الذي يهدف إلى تحقيق كمال و كفاية ورفاه وسعادة الحياة للفرد. المشرع هو صاحب صنعة و مادة صنعته هي المجتمع و قصده هو الحياة الفاضلة.
من هذا الحلم (الأرسطوي) إنطلق (مؤلف الجماعة الحاكمة) لينسج خيوط شبكة مشروعه السلطوي (الحضاري) مستخدما الدين (طعما) لاصطياد الأسماك الصغيرة السابحة في نيل العاطفة الدينية في السودان بفروعه التكفيرية والعلمانيه و السلفية والصوفية من أجل تسمين العجول الكبيرة التي كان ينوي ان بستخدمها لاحقا في إغراء و جذب حيتان و قروش الخلجان والمضائق و المحيطات العالمية. و قد نجح هذا التخطيط في مرحلة أولية وبرز بوجه ما سمي بالمؤتمر الشعبي العربي و الإسلامي.
لما لم بكن من الممكن أصلا إيجاد مدرسين خصوصيين (للفضيلة) في أي مجتمع فإن واقع التدين الموروث الشكلاني في السودان جعل أولى خطوات التمويه التي تم طرحها لتهيئة الملعب لما بعدها من (خزعبلات) هي الخطوة التي إنطلقت تحت شعار (تزكية المجتمع). فرض هذا الشعار أن يكون عضو (الجماعة) هو المدرس الوحيد المؤتمن و المفترض أنه يملك المعرفة بتفاصيل الحياة الفاضلة كما يشكلها مشروع الجماعة.من هذه الخطوة الأولى إستطاع (عقل التأليف) أن يتحول بالسياسة بعيدا عن واقع هذا العالم الذي نعرفه بما فيه من مزايا وعيوب ليدعي انه يسعي لعالم خالد بمثاليات حسب رؤيته لا تتغير. نموذج مثالي يطرح فيه (شيخ الجماعة) نفسه كمشرع سقراطي او (خبير تهجين) يزاوج بين نقاط ثانوية من الدين والعلمانية لبناء دولة دينية علمانية عالمية توجد فقط في سلطان القهر و القمع المزينة بزخرفات لفظية مبهمة لا يفهمها الناس العاديين.
ضجت أبواق الهوس الديني تصم الايذان بمواكب شعارات زائفة مستغلة ما تملك من قدرات إعلامية و مستفيدة من بؤس الساحة السياسية و روادها و سذاجة العاطفة الدينية عند البسطاء و فهم متمثل في مظهر شكلاني للدين موروث من إطروحات رجال عصر التدوين منذ اواسط القرن الثاني الهجري و ما تلاه من جهود تدرجت مع مستجدات الواقع السياسي في القرون اللاحقة مع تجاهل متعمد أحيانا لمغزى تدرج الرسالات السماوية بمطلوبات العقل لتكاليف خلافة الإنسان في الأرض. ولكن زاد على هذا الهوس التهريجي أثر قدوم وفود الحجيج من المنبوذين من مشارق الأرض و مغاربها.. المطرودين من العالم الذين جعلوا السودان غنيمة
تتطاول قاماتهم بموارده و رصيده التاريخي بعد أن كانوا أقزاما لا يرون بالعين المجردة. كانت النتيجة رصيدا ضخما من العقوبات وضعت في صحف المنظمات العالمية تدين السودان و أهله بكل ما ينفر منه العالم المتحضر من صفات التطرف الديني الإرهاب و الفساد و غسيل الأموال و إيواء المطلوبين في جرائم تهدد الأمن و السلم في العالم أجمع.
مع هذا الوضع الإقتصادي الجديد إتجه (عقل التأليف) إلى مخرج يقي الجماعة شر الحصار الإقتصادي الذي يمكن أن يهزم مشروع الجماعة بتجفيف مصادر التمويل الخرافي الذي كانت تجده من الحجيج الوافدين من المطرودين و المنبوذين و المطلوبين للعدالة. إتجه عقل التأليف إلى سلة (الطعم) فخرج بطعم شعار (تمكين الدين) و الذي كان تمويها لتمكين الجماعة و منسوبيها من كل ما في السودان من موارد و خيرات ظاهرة و باطنة. تمكين خطط بذكاء خبيث هدف إلى تقسيم السودانيين إلى 4 طبقات :
طبقة البدريين. و هم أتباع و
حواريين شيخ الجماعة منذ أول ظهور
له على مسرح السودان السياسي.
طبقة التابعين و هم في معظمهم
من أجيال طلاب الأرياف والأسر الفقيرة والمجتمعات المغلقة المحكومة بإرادة الشيخ و العمدة و الفكي الذين عاصرو ثورة أكتوبر فحملتهم عواطف البداوة و التشرب بفهم (فقرا) الخلاوي
لأحضان الإتجاه الإسلامي في الجامعات
و المعاهد العليا لما وجدوه في ذلك الحضن من مزايا و معينات مادية و معنوية و إجتماعية و ثقافية خففت عتهم الكثير من مصاعب الحياة في الحضر و الكثير من عثرات و عقبات مخالطة بعض النجوم البارزة من مجتمع المتحضرين.
طبقة المنتفعين و الإنتهازيين و مجموعة السياسيين الجوالة الذين تعودوا على تغيير الإتجاه وفقا لتغير المواسم و يتحولق حول هؤلاء مجموعة من الأتباع من أهل النفاق و الشقاق في الخدمة العامة بشقيها المدني و العسكري.
كل من تبقى من أفراد الشعب السوداني بغض النظر عن دينه او مستوى تعليمه أو لونه أو عشيرته أو قبيلته أو الإتجاه الجغرافي الذي قدم منه أو الطبقة الإجتماعية التي ينتمي إليها، وكل هؤلاء أعتبروا (ملة واحدة) أشبه بملة (البدون) يجب عليها دفع الجزية و التعايش مع واقع يفرض عليهم أن يكونوا رعايا أو مستأمنين.. (صم بكم عمي فهم لا يعقلون).
قضي التمكين أن تتميز الطبقات بالترتيب الذي ذكرناه في كل شيئ…في الملبس و المأكل و المشرب و المسكن و الحركة و المشفى و التعليم و الترفيه والمثنى و الثلاث و الرباع مع ضمان إمتداد هذا التميز للأبناء و الأخوان و الأخوات و الأهل و العشيرة لضمان توارث المجد و الرفعة جيلا بعد جيل. فتحت الأبواب على مصرعيها للطبقة الأعلى ثم بزوايا إنفراج تناسب التدرج إلى أسفل.فتحت أبواب كل شيئ…ثم رفعت الأقلام و طويت صحف الرقابة و المساءلة إلا لمن يحاول أن يتجاوز حدود طبقته متطلعا للوصول إلى أعلى أو من يحاول أن يتغنى بشيئ غير.. ( زينة و عاجباني)..
هذا ما كان من أمر الطبقات الثلاثة
أما من كان في أمر الطبقة الرابعة فهي كانت بين حدين.. (أن يرق منها كل قطرة ماء في الوجه)… او (أن ترق منها كل الدماء)… أرجو متابعة تطورات ملفات القضايا التي يقدمها مولانا تاج السر الحبر إلى القضاء قبل استقالته و التي تبين منطق تدرج معاناة هذه الطبقة منذ فجر الثلاثين من يونيو 1989 إلى فجر السادس من إبريل 2019.كذلك أرجو متابعة حلقات مسلسل لجنة إزالة التمكين في نسختها المدنية، والتي مكنت نفسها فلذلك لابد من تعيين لجنة ازالة تمكين اخري لإزالة التمكين من اللجنة الحالية التي تمكنت، (وإلى الله المشتكى).
أما في نسخته العسكرية فنحن في إنتظار رفع الستار عن غلوتية (جوبا ماااااااااااالك عليا) .

The post عبدالناصر عبدالرحمن يكتب: التمكين وازالة التمكين appeared first on الانتباهة أون لاين.