حيدر المعتصم يكتب: سودان الثورة..هل من عقلاء ؟

Sudan News

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

(3)

د. حيدر معتصم
ترتكز السياسة نظريا و تطبيقياً على مبدأ الإختلاف، و الإختلاف هو التباين في وجهات النظر القائم على التنافس الحر على مستوى التصورات والرؤى و الأفكار و البرامج داخل إطار أو سقف واحد من الثوابت الوطنية المشتركة  العاصمة من الإنحراف بعملية التنافس و التباين من براحات الإختلاف إلى ضيق الخلاف و لا يفوت على فطنة القارئ مابين   الخلاف و الإختلاف من فروقات في المعاني و الممارسة، و بإسقاط تلقائي لمعايير إدارة الإختلاف و المبادئ العامة للسقوف الوطنية المشتركة على طرق و أساليب الممارسة السياسية في السودان منذ بداياتها الأولى فيما بعد تأسيس مؤتمر الخريجين في العام1938 نجد أن الممارسة السياسية في السودان تقوم على الخلاف لا على الإختلاف و الخلاف هو الخصام و الصدام المفتوح الذي لاتحده حدود زمنية و لا معايير أخلاقية ولا أطر قانونية و ما ظل يجري من خلاف بين النخب السياسية قد أقعد و أضر بالسودان كثيراً، و في تقديري أن النقطة الجوهرية والمحورية التي يمكن أن تشكل إنحرافة فارقة في معالجة أخطاء الماضي هي تحويل المسار السياسي وإخراجه  من صندوق الخلاف و الصدام التاريخي إلى براحات الإختلاف و التلاقي، ولعل العشر سنوات الآخيرة من عمر السودان قد شهدت تحولات إيجابية كبيرةعلى المستوى الفكري و النظري و على مستوى تبدل القناعات فبعد أن تسيدت التيارات الإقصائية و الإستئصالية المشهد السياسي السوداني لأكثر من نصف قرن من الزمان برز تيار جديد يعبر عن قناعات و مفاهيم جديدة داخل الأحزاب السياسية المختلفة ذات إرتباط جذري بمبدأ قبول الشراكة السياسية و الحلم ببناء مشروع وطني سوداني و يمكن أن نسميه أو نطلق عليه
إصطلاحا ” التيار الوطني التوافقي “ و يمكن أن نتحدث بالفم المليان بأن هذا التيار الآن يمثل كتلة حرجة قادرة على قلب الموازين و التأسيس لتجربة سياسية جديدة إن أُحسنت قيادته و إدارته،  تجربة تحمل كل ملامح و بشريات التعافي و التراضي الوطني الذي ظللنا نبحث عنه لعقود طويلة و لكن يظل بروز هذا التيار كقوة مؤثرة على الأرض على المستوى العملي و التنفيذي بعد أن عبر عن نفسه فكريا وسط كل القوة السياسية يمينا و يسارا ووسطا يظل بروزه رهينا بتحولات نفسية و معنوية و برامجية تعلى من قامة الإنتماء الوطني الواسع على قيمة الإنتماء المصلحي الضيق على المستوي الطائفي أو الأيديولوجي أو الجهوي أو الإثني أو العرقي أو المهني أو الشخصي، ولأن هذا التيار بعضه في اليسار و بعضه في اليمين و بعضه في الوسط و بعضه في الشمال و الجنوب و الشرق و الغرب و بعضه في المكونات القبلية و الجهوية و الطائفية و غيرها من المكونات، فهو إذن أحوج ما يكون عند المؤمنين به لشكل من أشكال التفوق على الذات و التسامي على المرارات القديمة و الدوس على الجراح و القفز فوق حواجز الدم المسفوح  و ليس اقدر على هذه المهمة ممن نطلق عليهم إصطلاحا بعقلاء و حكماء الأمة أو المجتمع و ما أكثرهم وسط الأحزاب و المكونات السياسية و المجتمعية المختلفة و مراكز التنوير المعرفي و البحث العلمي بالجامعات و ما أكثرهم أيضا وسط قطاعات الطلاب و الشباب و المرأة و القطاعات المهنية و غيرها.
إن قدرة التيار التوافقي الوطني في تجاوز عقدة التيارات السياسية التاريخية الإقصائية و الإستئصالية و التصالح مع المكونات المجتمعية المختلفة تتوقف بشكل مباشر على قدرة التوافقيين داخل تلك التيارات على إعمال العقل و الحكمة في إيجاد رؤى و أفكار و برامح  قادرة علي تجاوز مرارات الماضي و مشاحناته بالإرتكاز على قيم وطنية مشتركة و النظر للمستقبل برؤية مختلفة عن الماضي  بما يمكن أن يحققه التوافق من مكاسب لصالح الوطن يعود خيره على الجميع أضعافاً مضاعفة على المستوى الإرتقاء بالعمل السياسي و الإجتماعي و الأمني و الإقتصادي وبناء  تجربة رائدة  تكون إضافة ثرة للتجارب البشرية تؤكد علو كعب السودان و تعود به إلى مكانه الطبيعي بين الأمم المتحضرة و مصاف النجومية العالمية لنؤكد فكريا و من جديد بأن أسوأ ما أنتجته  النخب السياسية السودانية من خلال الممارسة السياسية الإقصائية و الإستئصالية تاريخيا يمينا و يسارا و سطا هو تلك المدرسة التبريرية و النقدية التي تبذل نِصف جهدها السياسي في المكابرة بتبرير اخطائها و الإستماتة في الدفاع عنها حتى و إن كان ذلك خصماً على التعافي الوطني، و النصف الآخر في نقد و تبخيس جهد و تجارب الآخرين بالمكابرةحتى و إن كانت صائبة و في صالح التعافي الوطني..
إذن إستطاع التيار التوافقي وسط المكونات السياسية و الإجتماعية التعبير عن نفسه فكريا بالإيمان بالشراكة السياسية وبناءالمشروع الوطني ولم يتبقى أمامنا إلا تحدي إحداث نقلة نفسية و فكرية و برامجية تضع هذا التيار الرائد في واجهة الأحداث و قد ظلت حرفة لملمة الجراح و رتق النسيج الاجتماعي و السياسي و الأمني في السودان تاريخيا ماركة مسجلة بإسم العقلاء و الحكماء و أهل الرأي  ولم يتبقى إلا الأخذ بزمام المبادرة و لبس قفاز التحدي من أجل بنا سودان جديد يسع الجميع .                … نواصل.

The post حيدر المعتصم يكتب: سودان الثورة..هل من عقلاء ؟ appeared first on الانتباهة أون لاين.