مالك عثمان يكتب: الشرطة والميديا.. سباق نصف الحقيقة

Sudan News

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

د.مالك عثمان

منذ انطلاق مارد وسائل التواصل الاجتماعي خرج تشكيل الرأي العام عن سيطرة فئة دون الاخري فالكل يصل للكل ، وكل من يريد ان يؤثر يجد من يؤثر عليه، فالمحتوي يطير كالنار في الهشيم _ صدق ام كذب _ وكل يأخذ ما يهواه و قد لا يكتفي بالأخذ فقط وإنما نشرٱ وتوزيعا .
أصبح هذا المارد الكنز الذهبي لكل فئات المجتمع والحاضنة للافكار والأهداف والمآرب .فالفكرة النيرة والأهداف النبيلة تجد عشٱ وادعٱ ، وأيضا نقيضها من الأفكار يجد أوكارا تحتضن بيضه الفاسد، ومن هذه الأوكار وكر (نصف الحقيقة ) وقديمٱ قيل أسوأ الكذب نصف الحقيقة واستدلوا بنصف الأية الكريمة ( ويل للمصلين) .
تناولت الاسافير وبعض الوسائل التقليدية للاعلام محتوي يذم الشرطة معتمدين علي ما يتداول من جرائم بمفهوم نصف الحقيقة، علي أن النصف الاخر هو انجاز الشرطة في الكشف عن هذه الجرائم لا يحقق أهداف صناع المحتوي ، فكان الحديث عن مشاهد المتفلتين بشارع الشهيد مطر دون الاشارة الي أنهم في قبضة الشرطة فعلاً وداخل السجون ، كما تم تداول موضوع فتاة الرياض التي عثر عليها ميتة في المجاري قرب مسجد السيدة سنهوري دون الاشارة الي أنها لم تكن مقتولة ولا توجد جريمة ، بل زاد المتداولون انها كانت مقيدة اليدين كذبا ، فقد جاءت الحقيقة من الشرطة إنها كانت مكتملة الزي وحقيبتها علي كتفها بكامل محتوياتها ، ولم تكن مقيدة ، فقط مجري مائي مفتوح وفتاة تعاني من فقدان التوازن أحيانا ، نسأل الله لها الرحمة والمغفرة، مثال آخر لتلوين الحقيقة الناصعة البياض لترتدي الأسود يلقي به في وجه الشرطة الصابرة علي الاذي ورهق العمل ، ذلك محاسب محطة وقود الثورة الذي تصرف في مال الوقود دون وجه حق واختلق قصة تقييده وتهديده بالمسدسات وبالطبع سرقة المال ، وسرعان ما انكشفت خطته بحنكة الشرطة وخبرتها ، ولكن يفضل البعض القصة المختلقة ويروجون لها فهي الاكثر امتاعا وغرابة ، بغض النظر عما يصيب المجتمع من جراء ذاك الترويج .
الأمن في الأصل هو شعور بالطمأنينة ، وليس انعدام الجريمة ، فالجريمة الصفرية لا توجد علي ظهر الارض مهما بلغت الدول من التطور ،ولكن يجب ان تبقي في حدها الأدني وإن يعاقب مرتكبها عدلا ، فالشعور بالامان يتنامي مع نقصان الجريمة وأخبار القبض علي المجرم ، والترويج الهائل للجريمة دون الترويج للقبض علي المجرم يقلل من الشعور بالامان ويزعزع المجتمع ويضره ولا ينفعه ،
فاذا كان الهدف هو الوطن وانسانه فيجب ان يكون التناول الاعلامي للقضايا والجرائم واقعيا ، وإن كان الهدف غير ذلك فسوف يتحسس المواطن رأسه كل حين .
هل تحارب الظواهر الاجرامية بالشرطة فقط ؟
الشرطة أداة مهمة من ادوات الحرب علي الجريمة منعا واكتشافا ، ولكن عندما تصبح الجريمة ظاهرة اجتماعية ( وهذا يحدث عادة أثر التحولات السياسية والاجتماعية الكبيرة والتي لها تاثيرها في الفرد والجماعة في المحاولة لصياغة المجتمع في اطر جديدة ، وخاصة إذا كانت هذه الاطر تنضوي علي فضاءات ارحب للحرية ، وأيضا تلوح هذه الظواهر في مراحل الانتقال من الشرعية الثورية الي الشرعية الدستورية ).وتعالج المجتمعات هذه الظواهر اولا بدراسات مكثفة لمعرفة اسبابها وحواضنها وسبل العلاج ، وتمتد الدراسات للأسباب النفسية والاقتصادية والإجتماعية والتربوية ، فربما يدخل في العلاج المناهج التربوية والأخلاقية وبناء الأسرة وتماسكها ، ومعالجة المشاكل الاقتصادية والسكن والتعليم ، وربما معالجات اقتصادية، فالفيصل لنتائج هذه الدراسات والتي تقوم بها الجامعات والمراكز البحثية المتخصصة والمؤسسات ذات الصلة ومن ثم تنفيذ توصياتها ، وحينها يصبح المجرم شخص شذ عن قيم المجتمع وعاداته لا ظهير له ،فهو هدف معزول لرجال الشرطة.

The post مالك عثمان يكتب: الشرطة والميديا.. سباق نصف الحقيقة appeared first on الانتباهة أون لاين.