فاطمة جعفر المحامي تكتب: حول التعويض في القانون الانجليزي

Sudan News

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

بقلم/فاطمة جعفر المحامي
(1)….
نظرة عامة على أحكام التعويض في القانون الإنكليزي
لكي تتضح لنا الرؤية عن أحكام التعويض في القانون الإنكليزي فإننا سوف نتطرق إلى بحث المواضيع المتعلقة به فسنبدأ أولاً بتعريف التعويض وأهدافه ثمَّ نستعرض المصالح التي يهدف التعويض إلى حمايتها وأنواع التعويض والتدابير القضائية حول التعويض ثمَّ بعد ذلك نتطرق إلى التعويض الأتفاقيّ والغرامة.
أولاً :- تعريف التعويض وأهدافه.
عرّفَ الكثيرُ من فقهاء القانون الانكليزي التعويض بأنهُ مبلغ من النقود تعطيها المحكمة أو الحكم فيما يتعلق بالخطأ المرتكب ضدّ المدعي عن طريق المدعى عليه لغرض تعويض المدعي عن ذلك الضرر بعد أنْ يقيم الحجة على الضرر الذي لحقه. (1)
ويؤكد الفقهاء في القانون الانكليزي على إنَّ التعويض هو ليس بِدَينْ فالديون استناداً إلى التعريف المتقدم للتعويض تكون خارج نطاق التعريف فمن حيث الأثر إن الدَّين مبلغ من المال يتعهد المدعى عليه بدفعه إلى المدعي ومِنْ ثَمَّ فأن تعريف التعويض لا يشمل الديون وأن تعريف التعويض الذي جاء في كتاب (black) في كتابه القاموس القانوني ليس تعريفاً دقيقاً إذ أنه وضّح بأن التعويض هو جبر الضرر أو أية منفعة أخرى يحصل عليها المدعي لغرض إرجاعه إلى الوضع الذي كان عليه قبل وقوع الضرر ومن ثمَّ فهو يشمل الخدمات والرواتب والأجور …..الخ (2). ولذلك فأنَّ التعريف المتقدم غير دقيق إذ أنه يجعل الديون ضمن نطاق التعويض وهو ما لا يمكن تصوره استناداً إلى التعريف السابق حول التعويض في القانون الانكليزي .
أما عن هدف التعويض فقد أجمع الفقهاء في القانون الانكليزي على إن هدف التعويض الرئيس هو وضع المتضرر ( الدائن ) بقدر ما يتعلق الأمر بمبلغ النقود الذي سيدفع له في نفس الوضع الذي كان عليه لو لم يكن الضرر ليقع. وسيلحق به كما لو أن العقد قد نفذ ولم يحدث فيه إخلال أصلاً مع ملاحظة انه في كل قضية في القانون الانكليزي إن تحديد التعويض ينبغي أن يحصل على وفق قيمة الخسارة (value of the loss). (3)
ثانياً : المصالح التي يهدف التعويض إلى حمايتها .
إنَّ المصالح التي يهدف التعويض في القانون الانكليزي إلى حمايتها هي ثلاث مصالح:
الأولى: المصالح المتوقعة. والثانية: المصالح المعوّل عليها.
والثالثة: المصالح الاستردادية أي المصلحة في إعادة ما دفع من دون حق.
فبالنسبة إلى المصالح المتوقعة ففي العقود بشكلها النموذجي إن احد المتعاقدين عليه التزام تنفيذ أشكال متعددة قد تكون إنشاء بناء، تسليم بضاعة، نقل ملكية عقار. وبالمقابل فانَّ المتعاقد الآخر ملزم بدفع مبلغ من المال. وانَّ مخالفة أي واحد منهم للالتزام الملقى عليه سوف يأخذ شكل عدم التنفيذ أو تنفيذ معيب أو التأخر في التنفيذ طالما إن الغرض الأساس حسب ما مرَ علينا سابقاً من التعويض عن الإخلال في العقد هو حماية المصالح المتوقعة للدائن من تنفيذ المدين. وانَّ التعويض هدفه وضع المدعي في وضع جيد كما لو أنَّ المدعى عليه قد نفَّذَ بالكامل ما هو مطلوب منه في العقد (4) ولكن السؤال الذي يطرح نفسه كيف يمكن تقدير التعويض عن المصالح المتوقعة في القانون الانكليزي ؟
إنَّ تقدير التعويض عن المصالح المتوقعة يختلف باختلاف طبيعة العقد فمثلاً أنَّ تقدير التعويض للإخلال بعقود الإنشائيات أو المقاولات هو الفرق بين السعر المثبت في العقد وتكاليف الإنشاء عن طريق مقاول آخر فالفرق بينها هو التعويض. وفي التعويض عن الإخلال بتسليم البضاعة فأنَّ تقدير التعويض يكون بالفرق بين الثمن المثبت في العقد وقيمة البضاعة في السوق أو مصاريف عملية شراء بضاعة مماثلة لها في السوق والتي يطلق عليها مصطلح ( cover) والتعويض عن الإخلال بعقود بيع العقار يكون بالفرق ما بين الثمن المثبت في العقد وقيمته في السوق . (5)
أما فيما يتعلق بالتنفيذ المعيب فأنَّ تعويض المصالح المتوقعة يحصل في هذه الحالة بإحدى طريقتين أما مصاريف الإصلاح الخاصة بالبضاعة المعينة أو ما نقص من قيمة البضاعة في السوق ففي عقود المقاولات أو الإنشائيات مثلاً إن التعويض عن التنفيذ المعيب أو عدم الانجاز الكامل يتحدد بمصاريف الإصلاح أو الإنجاز الكامل وفي عقود بيع البضاعة التعويض عن عيب عدم المطابقة يقدر ما لحق البضاعة من نقص في القيمة. (6)
وإذا كان الإخلال في العقد هو مجرد تأخر في التنفيذ فأنَّ المدعي يطالب بالتعويض عن حماية مصالحه المتوقعة والتي يقدر فيها التعويض على أساس قيمة الاستعمال الخاص بموضوع العقد خلال مدة التأخر فالخسائر التي يتكبدها المدعي خلال مدة التأخير هي قيمة ما يرد الشيء منه من قيم خلال مدة التأخر وفي حالِ عدم القدرة على تحديد قيمة الاستعمال للأشياء موضوع العقد فأنه يلجأ إلى قيمتها حسب سعر السوق خلال مدة التأخير في التنفيذ.(7)
وتأسيساً على ما سبق يتضح من خلال الاستعراض السابق للأمثلة من المصالح المتوقعة أنها تهدف إلى وضع الدائن في الوضع الذي سيكون عليه لو أنَّ المدين قد نفذ التزامه الناشئ من العقد بمعنى أن المصالح المتوقعة تهدف إلى جعل الدائن يحصل على الفائدة المرتقبة من الصفقة. (8)
والجدير بالذكر إن التعويض عن المصالح المتوقعة بأخذ ثلاثة أنواع من حيث المطالبة القضائية به فهي إما أنْ تكون مطالبة قضائية عن خسائر وأضرار مباشرة أو مطالبة قضائية عن خسائر وأضرار عارضة وأخيراً مطالبة قضائية عن أضرار وخسائر استتباعية لاحقة.
فبالنسبة إلى الأضرار والخسائر المباشرة (direct loss) فهي تعني الخسائر والأضرار التي تنتج بشكل مباشر من إخلال المدين عن تنفيذ التزاماته العقدية. (9)
أما المطالبة القضائية عن الخسائر والأضرار العارضة ( incidental loss) فهي تأخذ شكل المصاريف التي يتكبدها الدائن بشكل عرضي كما في حالة إخلال البائع فأن الأضرار والخسائر العارضة تشمل المصاريف التي يتكبدها الدائن نتيجة خزن البضاعة والمحافظة عليها نتيجة التأخر في تسليمها أو حالة البضاعة المعيبة التي تستوجب تكبد الدائن مصاريف لإرجاعها إلى البائع. (10)
أما الخسائر والأضرار واللاحقة الاستيعابية (conseguentional loss) فهي تلك الخسائر التي تحصل نتيجة ارتباط الدائن بعقود مع الغير كما هو الأمر في حالة إخلال المشتري فأنَّ البائع قد يتكبد بأضرار لاحقة استتباعية نتيجة لإلغاء العقود مع المجهز الذي حصل نتيجة إبرام المشتري على عقد مع البائع فهذه الخسائر والأضرار هي استتباعية لاحقة نتيجة إخلال المشتري بتنفيذ التزامه الناشئ من العقد المبرم مع البائع. (11)
أما المصالح المعوّل عليها وهي النوع الثاني من المصالح التي يهدف التعويض إلى حمايتها في القانون الانكليزي فيتمثل التعويض عنها بقصد جعل المدعي في وضع جيد كما لو أن العقد لم ينعقد أصلاً. (12) ومن ثمَّ فان الفارق بين المصالح المتوقعة والمصالح المعوّل عليها في أنَّ الأولى يقصد منها تعويض المدعي ووضعه في وضع كما لو أنَّ العقد قد نفذ من جانب المدين أي أنَّ الدائن حصل على الفائدة المرتقبة من الصفقة في حين أنَّ المصالح المعول عليها يهدف التعويض عنها إلى وضع الدائن في الحالة التي كان عليها قبل انعقاد العقد أي كأنَّ العقد لم ينعقد أصلاً .(13)
واللافت للانتباه هنا أنَّ الفقه الانكليزي يقسم المصالح المعول عليها على قسمين الأولى :- المصالح المعول عليها الأساسية والتي تشمل الثمن الذي ينبغي دفعه بموجب العقد. والنوع الثاني: المصالح المعول عليها العرضية والتي تتعلق بالتعويض عن التحضير للصفقات التبعية . (14)
ولغرض فهم هذين القسمين من المصالح المعول عليها فإننا نضرب المثال الآتي: فلو أُبرِمَ عقد لبناء مخزن فإذا كان المالك قد أهدر العقد بعد أن كان المقاول أو البناء قد صرف أموالاً على التصاميم العمرانية والعمل والمواد فأنَّ هذه المصاريف هي في الحقيقة مصالح معول عليها أساسية في حين لو كان المقاول أو البناء قد أهدر العقد بعد أن تكبد المالك مصاريف في شراء مواد البناء واستأجر العمال فهذه المصاريف التي أنفقها المالك تعد مصالح معولاً عليها عرضية وليست أساسية. (15) مع ملاحظة أنَّ المصالح المعول عليها هي اقل من المصالح المتوقعة والسبب انه طالما أنَّ المصالح المتوقعة تتعلق بالربح الفائت أي خسارة الربح من جانب الدائن إضافة إلى ما يكون الدائن قد اعتمد عليه لغرض الحصول على هذا الربح والفائدة من الصفقة فان المصالح المعول عليها لا تشمل أبداً الربح الفائت بل يتم التعويض فقط عن المصاريف التي تكبدها الدائن في تنفيذ العقد. (16)
وأما النوع الثالث من المصالح التي يهدف التعويض إلى حمايتها في القانون الانكليزي وهي المصالح الإستردادية ويقصد بها إرجاع أي كسب أو فائدة حصل عليها المدعى عليه من العقد وذلك بسبب إخلال المدعى عليه بالعقد مما يتحتم إرجاع أي فائدة أو كسب إلى الدائن المدعي بمعنى آخر إن هذا النوع من المصالح يهدف إلى عدم إثراء المدين من دون وجه حق على حساب الدائن فهي لا تركز على الدائن بقدر ما تركز على الطرف المخل ( المدين ) . (17)
وعليه فانّ تعويض المصالح الاستردادية يستلزم من المدعي عليه إرجاع الفائدة التي تسلمها بسبب الإخلال في تنفيذ العقد إلى المدعي.
وان المصالح الاستردادية يكون التعويض عنها أقل من التعويض من المصالح المتوقعة أو المصالح المعول عليها والسبب إن المصالح الاستردادية لا تتضمن الربح الفائت بمعنى آخر خسارة الربح بالنسبة للدائن . كذلك ولا تتضمن المصاريف المعول عليها عند إبرام العقد والتي لمّح عليها المدعى عليه في العقد بل أنَّ المصالح الاستردادية تقتصر بإعادة أي فائدة أو كسب حصل عليه المدين نتيجة الإخلال بالعقد بإرجاعها إلى الدائن لذلك إن المصالح الاستردادية وكما يذهب الفقه الانكليزي هي الوسيلة الأكثر تناسباً في معالجة الإخلال في العقود غير اللازمة . (18)
وان تقدير التعويض عن المصالح الاستردادية يقوم على أساس القيمة المعقولة للخدمات المنفذة والمسلمة أكثر من ثمن العقد كما هو الحال في المصالح المتوقعة أو المصاريف التي تكبدها الدائن في تعويض المصالح المعول عليها بل القاعدة هنا أنَّ التعويض عن المصالح الاستردادية ينحصر في القيمة المعقولة للخدمات المنفذة أو المسلمة . (19)
ثالثا: أنواع التعويض:
قبل أنَّ نتناول أنواع التعويض في القانون الانكليزي لابد في البداية أنَّ نتعرف على صور الإخلال المؤدية إلى الأضرار في القانون الانكليزي والتي على ضوئها يتم الحكم بالتعويض. يذهب الفقه الانكليزي في هذا الصدد إلى أنَّ الإخلال في القانون الانكليزي على نوعين أما إخلال حاضر أي حادث في موعده المستحق والذي يطلق عليه ( present breach). (20) أو النوع الثاني الإخلال المبتسر والذي يطلق عليه ( anticipatory breach ) وعرفه الفقه الانكليزي بأنه الإخلال الذي يحصل قبل الموعد المستحق للتنفيذ وذلك بقيام المدين بإهدار العقد على نحو مطلق بإعلانه انه لن ينفذ الالتزامات المترتبة عليه في العقد وانه لم يعد ملتزما بها. (21)
وتأسيسا على ذلك بعد معرفة أنواع الإخلال في القانون الانكليزي فان أنواع التعويض للأضرار الناشئة عن الإخلال بالعقد تتخذ ثلاث صور الأولى يطلق عليها التعويضات الاسمية والثانية تسمى التعويضات العامة والثالثة هي التعويضات الخاصة أو الاستتباعية فبالنسبة إلى التعويضات الاسمية (nominal damages) . وهي التي يحكم بها على المسؤول عن الضرر الناشئ عن الإخلال بالعقد على الرغم من عدم استطاعة الدائن إثبات انه قد أصابه ضرر فعلي نتيجة لهذا الإخلال . (22)
أما النوع الثاني من التعويضات وهي التعويضات العامة (general damages) وهي التي يحكم بها للدائن نتيجة للخرق الحاصل من المدين على حقوق الدائن القانونية أو واجباته وهي توصف بأنها نتائج محتملة وطبيعية للإخلال و تتضمن التعويض عن كلا النوعين الأضرار والخسائر النقدية وغير النقدية . (23)
أما النوع الثالث من التعويضات وهي التعويضات الاستتباعية أو الخاصة (special damages) وهي على خلاف التعويضات العامة فلا يمكن المطالبة بها بدعوى قضائية موسعة على العقد ما لم تكن تلك الأضرار الموجب تعويضها قد أحاط أطراف العقد بها علماً في وقت انعقاد العقد. (24)
ولعل من نافلة القول في هذا المقام أن نشير إلى أن مصطلح الإخلال في القانون الانكليزي (breach) يدل على رفض المتعاقد أو عدم قيامه بتنفيذ واحدٍ أو أكثر من التزاماته العقدية ويحصل الرفض والإهدار للعقد بواحدة من الطرق الثلاثة عدم تنفيذ الالتزام في الميعاد المحدد له في العقد ( present breach) أو رفض المتعاقد التنفيذ صراحة ( express repudiation) أو قيامه بعمل من شأنه أن يمنعه من التنفيذ فيعد عمله رفضاً ضمنياً لتنفيذ الالتزام ويطلق عليه ( implicit repudiation).

The post فاطمة جعفر المحامي تكتب: حول التعويض في القانون الانجليزي appeared first on الانتباهة أون لاين.