التطرف الفكري

Sudan News

من بين سوق الكلام الكبير الذي نتجول فيه ، والضجة التي تغطي أجهزة التواصل الاجتماعي والشاشات ، ومن بين هذا الكم الهائل من المحللين لأوضاع البشر الذين يطلون على المستعمين والمشاهدين علهم يجدون سرداً موضوعياً وعللاً منطقية للأزمات التي تحاصرهم في معظم مناحي الحياة ، اقتصاداً وسياسة وفكراً ، قليل من هؤلاء المحللين من يضعون أيديهم على مكان الألم والجرح ويتعرضون للظاهرة من خلال العوامل التي كانت سبباً في نشأتها وينفذون للفكر المؤدي للظاهرة ، باعتبار أن الظواهر في الأصل أشواق وتطلعات تولد كالحلم وتنشأ في بيئة ومناخ يمدها بالملامح ، وصدق رسولنا صلى الله عليه وسلم حين قال (الإنسان يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) يبقى من يتعاطى مع افرازات الظاهرة من الناحية المادية يبقى تحليله غثاً وغير مقنع ولا مشبع وتبقى أسئلة جوهرية بدون إجابة شافية، وهذا قطعاً يضعف من القيمة العلمية للتحليل باعتبار أن المنهج المتبع لم يكن موفقاً من البداية ، ولعل وجدان أهلنا السليم في السودان يقول (الصبي من تبتو … والمطر من كبتو) وفي هذا تأكيد أن للظواهر خلفيات وملامح ومراحل تطور لابد من استصحابها لأنها جزء أصيل في تكوين الظاهرة .
من هؤلاء المحللين القلائل يعجبني طرح الأستاذ وراق وتحليله ورؤيته العميقة ، كنت استمع اليه في فيديو قبل أيام وهو يتناول أزمات السودان الأخيرة بعد الثورة وكيف أن آمال الناس قد خابت بعد أن عجزت الثورة العظيمة في تلبية أشواق الشباب وقود الثورة وأصحاب التضحيات الكبيرة ، وكيف موقف الثورة المضادة من الذين فقدوا السلطة ويتباكون ليلاً ونهاراً على ذلك الفقد الجلل ولم يركنوا لقبول الهزيمة والتغيير في إطار سنن الكون وتداول الأيام بل خرجوا من جحورهم ومن منافيهم يحيكون المؤامرات والدسائس تداعبهم أشواق العودة لكراسي الحكم التي غادروها عنوة واقتداراً بفعل الثورة ، يرى الأستاذ وراق أن وراء كل هذه الخيبات (التطرف الفكري) والذي من ملامحه الهامة رفض الآخر بل نفيه وقتله إن أمكن الى ذلك سبيلاً ، الاحساس الكاذب بأن ما تقوله هو الحقيقة المجردة والتي لا يمتلكها غيرك ، وأنك ظل الله في الأرض وأنك الوحيد الذي تحب الوطن وتعرف مصالحه والآخرون عملاء ، وهذا التطرف الفكري بالطبع لا يقف عند محطة المشافهة ومنتديات الحوار بل للأسف يتحول الى قناعات ويتقدم لفرضه بالقوة والمغالبة ، وهذا الاحساس هو الذي شرعن التمكين في الإنقاذ ويشرعنه بعد الثورة ، ويقلل من فرص الاحتكام الى الحكمة التي تقتضي أن يكون هنالك طريق ثالث يأتي من خلاله عقلاء ووطنيون على درجة عالية من الحرص على المصلحة الوطنية المجردة بعيداً عن المكايدات السياسية والترصد ، مجموعة تعترف بأن ما مضى من نظام الإنقاذ لابد من محاسبته بالذات كل من طالته اتهامات الفساد المالي والأخلاقي على أن لا يتعدى ذلك المنتمين للنظام من الناحية الفكرية والتنظيمية ، مع مجموعة من أصحاب المصلحة في الثورة بالذات من الشباب صاحب الوعي العالي ، وهنا يكمن الحل وإلا الطوفان.