نحو تنمیة مستقبلیة لقطاع النقل سكك حدید للقرن الحادي والعشرین في السودان

Sudan News

لماذا السكك الحدیدیة
تعتبر السكك الحدیدیة أكثر وسائل النقل، على الیابسة، كفاءة وفعالیة من حیث التكلفة. وبتشغیل القطارات بالكھرباء بدلاً من الدیزل ستتعزز القیمة الاضافیة لتنافسیة السكك الحدید وذلك لما للكھرباء من فوائد
عدیدة: فتكلفة محركات القاطرة الكھربائیة تقل بحوالي 20 في المائة من تكلفة محركات قاطرة الدیزل في السوق العالمیة، كما أن تكالیف صیانتھا أقل بنسبة تتراوح بین 25 إلى 35 في المائة من التكلفة الناجمة عن صیانة محركات الدیزل. ومن الناحیة التشغیلیة وبنفس المستوى تشیر التقدیرات إلى أن تكلفة تسییر قطاربالكھرباء تقل بنسبة 50 في المائة من تكلفة تسییر نفس القطار بالدیزل.
ومن واقع الدراسات التي أجریت في الولایات المتحدة خلصت الإدارة الفیدرالیة للسكك الحدیدیة، عند المقارنة بوسائل النقل الأخرى، أن كفاءة وقود السكك الحدیدیة أعلى من كفاءة وقود الشاحنات من حیث إنجاز الأطنان-الأمیال لكل جالون. فكفاءة وقود السكك الحدیدیة تتراوح من 156 إلى 512 طنا-میل للجالون الواحد ، في حین أن كفاءة وقود الشاحنات تتراوح من 68 إلى 133 طنا-میل للجالون الواحد.
ومع أن التكلفة الحالیة للدیزل باھظة الثمن، إلا أن التوجه المتوقع على المدى الطویل ھو زیادة ھذه الأسعار. على العكس من ذلك ، فإن أسعار الكھرباء آخذة في الانخفاض مع الاستخدام السریع لمصادرالطاقة المتجددة .
إضافة إلى ذلك سیؤدي التخلص من القاطرات التي تعمل بالدیزل إلى تقلیل تلوث الھواء بما في ذلك السخام والمركبات العضویة المتطایرة وأكاسید النیتروجین وأكاسید الكبریت ، وكلھا تؤثر على الصحة العامة وكذلك البیئة. ھذا مھم بشكل خاص لأن العدید من خطوط السكك الحدیدیة تمر عبر المناطق الحضریة. كما أنه سیقلل من مستویات الضوضاء في المدن، وسیساعد التحول من الدیزل إلى الكھرباء أیضًا في مواجھة التحدي العالمي المتمثل في استبدال وقود النقل القائم على البترول ببدائل أنظف تساعد في المسعى الھادف إلى خفض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. وھذا أیضاً یمثل تحفیزاً لفرص التمویل من مختلف المصادر.
سكك حدید السودان
من المتفق عليه بشكل عام أن السكك الحدیدیة لعبت دوراً مھما في تاریخ السودان وفي أبعاد عدیدة. كما أن ھناك اعتقاداً قویاً أن مستقبل السودان اقتصادیاً وسیاسیاً یعتمد على إنعاش السكك الحدیدیة في السودان. ومع ذلك، فإن السكك الحدیدیة السودانیة في وضعھا الراھن تعتبر في حالة سیئة للغایة لدرجة أنھا غیر قادرة على الاستمرار على أساس الجدوى الاقتصادیة، ناھیك عن لعب الدور التنموي المأمول.
ولاستعادة السكك الحدیدیة في السودان لرونقھا فھي تحتاج إلى إعادة تأھیل كاملة تتطلب استثمارات كبیرة.
لذلك نقترح ھنا أنه بدلاً من الإنفاق على استعادة تقنیة عفا علیھا الزمن، أن نتعامل مع مشكلتنا ونجعلھا فرصة لبناء سكك حدید تتواءم مع رقي وإمكانات تكنولوجیا القرن الحادي والعشرین، وھو ما یتواءم مع الاتجاھات العامة في ھذه الألفیة حیث یشكل تغيیر المناخ مصدر قلق عالمي وتترسخ القناعة أن حرق الوقود الأحفوري ھو جزء رئیسي من ھذا القلق، الأمر الذي أدى إلى معاییر جدیدة ترتب علیھا التوجه نحو قناعة مغزاھا تنمیة صناعیة جدیدة لا تؤثر على البیئة بصورة مدمرة.
ولھذا نزعم أن اقتراحنا بالتحول إلى الكھرباء یلائم مبدأ الصداقة مع البیئة من نواح كثیرة، بالإضافة إلى تحسین الكفاءة إلى أقل من نصف الطاقة التشغیلیة لنفس الطن- للكیلومتر، فإن خیار استخدام أنواع وقود أخرى للطاقة غیر الأحفوریة سیؤثر تأثیراً بیئیاً إیجابیاً ھائلاً. وفوق ھذا فإن طموح الاقتراح یستشرف الدعوة إلى استخدام الطاقة المتجددة (شمسیة وریاح) كمصدر للكھرباء التي تدیر محركات القطارات بدیلاً عن محرك القاطرة التقلیدي المستخدم لوقود الدیزل.
ونسبة لاعتماد السكك الحدیدیة بصورة كاملة على الكھرباء، یجب أن یكون مصدر تولید الكھرباء جزءاً لا یتجزأ من نظام السكك الحدیدیة الذي ینبغي أن تكون له مصادر الطاقة الكھربائیة الخاصة به بعیداً عن الشبكة القومیة وذلك لضمان عدم تعرض الكھرباء لأي حالة انقطاع تؤثر على حركة القاطرات. وفي ھذا الإطار یمكن العمل على استخدام أكبر قدر ممكن من الطاقة المتجددة والنظیفة من الشمس والریاح، ولكن لیس الأوحد، نظرًا لأن الإمداد المضمون للطاقة یتطلب فائضاً في مصدر التولید، مما یعني أن مشروع السكة الحدیدیة بمصدره المستقل للطاقة الكھربائیة یمكن أن یشكل مكسباً إضافیاً لنظام الطاقة إذا تم توصيله.
ولھذا و بدلاً من التفكیر حول استعادة السكك الحدیدیة بصورتھا التقلیدیة المتقادمة، یحتاج السودان للنظروبجدیة في الاستثمار في بناء خطوط سكك حدیدیة كھربائیة حدیثة تتماشى مع المتغیرات التي یشھدھا العالم وقطاع السكك الحدیدیة تحدیداً، بحیث أن یتم ذلك على مراحل مع الاحتفاظ بخطوط السكك الحدیدیة الحالية مع تمدیدها لخدمة المزید من المناطق النائیة.
مراحل التنفیذ:
المرحلة الأولى:
الخط الوحید الذي لديه درجة تشغیل عادیة في الوقت الحالي ویمكن البدء به ھو خط بورتسودان – ھیا -عطبرة – الخرطوم نسبة لأهميته الاقتصادیة، وھو في نفس الوقت یعتبر مستودعا لمعظم موارد نظام سكك حدید السودان الحالي. ولھذا نوصي بالبدء باستبدال ھذا الخط بنظام السكك الحدیدیة الكھربائیة الجدید. إذ إن عائده الاقتصادي سیكون أعلى بسبب انخفاض تكلفة التشغیل، بالإضافة إلى توفیر الوقت بقدر عال بسبب زیادة السرعة، التي یتوقع أن تكون أكثر من ضعف السرعة الحالیة. وبسبب الاستخدام العالي لھذا الخط فیتوقع أن یكون زمن استرداد عائد الاستثمار فيه قصیرا.
المرحلتان الثانیة والثالثة:
نقترح أن تكون المرحلة الثانیة خط جدید من الخرطوم جنوبا على طول النیل الأبیض لربطه عبر النقل النھري بجنوب السودان. ھذه المرحلة تختصر المسافة إلى غرب السودان، حیث تبدأ منھا المرحلة الثالثة بخط جدید ليتجه غربا الى الابیض لینتھي في بابنوسة حیث یتفرع خطي نیالا في دارفور و خط واو في دولة جنوب السودان. لھذا الخط اھمیة سیاسیة و اقتصادیة عالیة بسبب رفع كفاءة الانتقال بین مناطق الانتاج في غرب السودان و السوق المحلي و الخارجي. من المھم أیضا تحسین النقل إلى دولة جنوب السودان من معبر آخر. باعتبار دولة جنوب السودان غیرساحلیة فھذا الربط عالي الكفاءة یجعل العبور عبرالسودان ھو الخیار الأرجح.
المرحلة الرابعة:
یوجد مقترح إضافي في المسار الشرقي یربط ھیا بكسلا والقضارف، ثم مدني والخرطوم. وھو الخط الذي یمكن أن یتواصل نحو إثیوبیا. لھذا الخط أھمیة بسبب أنه یربط أكبر مناطق الانتاج في السودان بالمیناء ومناطق الاستھلاك عالیة الكثافة السكانیة. الربط مع إثیوبیا یعطي ھذا الخط قیمة إضافیة، فإثیوبیا دولة غیرساحلیة ویمكن أن یمثل لھا خیار أفضل للتجارة الخارجیة بزیادة كفاءة الربط مع بورتسودان، و لأن ھذا الخط لا یعتمد على اكتمال مراحل قبله، فھو غیر متسلسل رقمیا في التنفیذ. مع ملاحظة أھمیة أن تعتمد أولویة تنفیذ ھذه المراحل على المزایا الاقتصادیة والتمویلیة لكل مرحلة.
كل ھذه المراحل المقترحة تتكامل مع خطوط السكة الحدیدیة الموجودة و ترتبط معھا كما في عطبرة لخط الشمال و في بابنوسة لخط غرب السودان وفي مدني مع خط النیل الازرق المتصل بسنار والدمازین. من ناحیة أخرى فأن الأجزاء والمعدات المفیدة التي یتم استردادھا من المراحل المحولة للنظام الكھربائي الجدید یمكن أن تعتبر بمثابة أصول لدعم الخطوط غیر العاملة من نظام السكك الحدیدیة القدیم.
اكتمال ھذه الشبكة سیؤدي إلى تعظیم وإظھارموقع السودان الاستراتیجي وتسلیط الضوء عليه بالنسبة للبلدان المجاورة المغلقة وغیر الساحلیة (جنوب السودان وتشاد واثیوبیا وأفریقیا الوسطى) لانه یوفر لھا خیارا أكثر فعالیة وتنافسیة للتواصل مع العالم الخارجي ویعزز من علاقة السودان الثنائیة مع أي من ھذه الدول على جمیع المستویات.