يا فتاتي.. قصة أغنية سببها الاستفزاز العنصري العباسي: (سأكتم الجراح في كبدي.. غائراتِ مالها عددُ)

Sudan News

 

الخرطوم: سعيد عباس

ذات الفراء
بدأت تلك الأغنية باستفزاز عاطفي للشاعر الطيب محمد سعيد العباسي عندما كان طالباً يدرس القانون بمصر، حيث رأى وقتها إحدى الفتيات الجميلات الفاتنات فلاطفها وأرسل إليها قبلة في الهواء إعجاباً بحسنها وجمالها، إلا أن الفتاة لم تتجاوب معه واستنكرت ذلك التصرف وسبته بعبارات عنصرية تطعن في لونه وعرقه وقالت له: من أنت يا بربري؟ (فانتفض في ثورة عاطفية جامحة لرد اعتبار كبريائه وكرامته وقال لها (يا فتاتي ما للهوى بلد – كل قلب بالحب يبترد) وليؤكد لها أنه من بيئة متسامحة وجدانياً وعاطفياً قال لها (وأنا ما خلقت في وطن في حماه الحب يضطهد- فلماذا أراكي ثائرة.. وعلام السباب يضطرد؟!)..
ولما دار استنكارها عن لونه وسمرته، أجاب بلغة الشاعر البليغ الحصيف وقال (ألأن السواد يغمرني؟.. ليس لي فيه يا فتاتي يدِ) في جملة شعرية يؤكد بها توحيده وإيمانه وقبوله بما كتبه له ربه، وزاد على ذلك حينما نعتته بالغريب فنظم قائلاً: (أغريب إن تعلمي لي ديار فيحاء ولي وطن – لي بدنياي مثل ما لهم – لي ماضٍ وحاضر وغدُ)
مناسبة القصيدة
كانت المناسبة التي التقة فيها الشاعر بتلك الفتاة هى عيد من أعياد أهل الكتاب، و كان اسم القصيدة في الاصل (ذات الفراء) لأن الفتاة كانت ترتدي فراءً صوفياً مميزاً، ولكن فيما بعد تحول اسم الأغنية من (ذات الفراء) إلى(يا فتاتي) التي اشتهرت بها أكثر وعرفها المستمعون.
أدى الفنان الكبير الطيب عبد الله تلك الأغنية بإحساس عال وتطريب يوصف بغاية الروعة والإبداع ولأنه في الأصل كان مدرساً للغة العربية جاءت مخارج حروفه للكلمات في تلك الأغنية قمة في الإتقان والتجويد مما جعل القصيدة سهلة الحفظ والاستيعاب والتأمل، لذلك كان كثير من الشباب في بواكير ثمانينيات القرن الماضي يزينون خطاباتهم العاطفية بعدد من أبيات تلك الأغنية..
امتحان الحذف
القصيدة كانت طويلة قرابة الخمسين بيتاً، وقد أدخلت الطيب عبدالله في امتحان صعب لأنه حاول أن يحذف منها بعض الأبيات حتى لا تكون طويلة ويملها المستمع، ولكنه كان يجد كل بيت يريد يحذفه أجمل من الآخر إلا أنه اضطر مجبراً لحذف عدد من الأبيات، منها تلك الأبيات (إليَّ الهجر والقلى أبداً- ولغيري الشفاه والجسد – ليّ كغيري يا زهرتي أمل – وفؤاد يهوى وليّ كبد)..
ومن الأبيات الجميلة في تلك القصيدة التي تم حذفها بواسطة لجنة النصوص هي عندما استرق شاعرنا النظر إلى محاسن ومفاتن تلك الحسناء ونظر إلى الصليب الذي كان في صدرها وأنشد قائلاً (ولماذا هذا الصليب ترى – بين نهديك راح يرتعد؟ – خبريني ذات الفراء فقد – جف جناني وأجدب الرشد)..
ويصف النقاد القصيدة بأنها تستعرض حالة من حالات العنف ضد الرجل تلك العبارة التي يستنكرها الكثيرون ولكن تستخدم بكل مكنوناتها وحذافيرها تجاه أقل خدش ضد الأنثى قائلين (عنف ضد المرأة)..
إلا أن العباسي في نهاية القصيدة مارس استنكاراً عاطفياً أكثر وأكبر مما استخدمته الفتاة تجاهه بعد أن عاتب تلك البلاد التي يحمل نساؤها قلباً جامداً كتلك الفتاة، وقال(سوف تنأى خطاي عن بلد حجر قلب حوائه صلد) ثم فارق فتاته وودعها وقال (الوداع الوداع قاتلتي ها أنا عن حماك أبتعد)- وختم قصيدته وهو مثقل بالجراح التي كتمها في دواخله أنينا ووجداً وقال – سأكتم الجراح في كبدي غائرات مالها عدد .
روعة الطيب عبدالله
اشتهر الطيب عبد الله في تلك الفترة بأنه كان فنان الجراح والحزن واللواعج النفسية والمعنوية المختلفة حتى اكتسب بها لونية عاطفية وحزائنية مميزة للحد البعيد فقد قدم مع (يافتاتي)عدداً من الأغاني المشبعة بالقيم العاطفية النبيلة والوجد وهجر الحبيب منها (المصيرك تنجرح) و(اندب حظي أم آمالي) و(السنين العشت فيها معاك هنايا) و(ايامي الخوالي) و( مسكينة المحبة بتمشي لي ناس ما بتقدر).