من د. علي فضل إلى أحمد الخير.. (تصفيات).. ثبتت وأخرى زلزلت أركان الإنقاذ!

Sudan News

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

الخرطوم: هبة محمود
كانت لافتة بشكل يبعث على الإثارة، تلك الاعترافات التي تفوه بها عضو مجلس قيادة ثورة الإنقاذ السابق، إبراهيم نايل إيدام، بشأن مقتل د. علي فضل، على يد مدير جهاز الأمن والمخابرات د. نافع علي نافع. فبعد نحو ٣١ عاماً من القتل، تفتح الكتب المعتمة المغلقة على أسرارها، ويظهر الجناة الحقيقيون. ترتسم الابتسامة على محيا أسرة الشهيد دكتور علي، رغم مرارة الفقد وشهوة التعذيب الجارفة التي صاحبت وفاة والدهم، لا لشيء سوى معارضته النظام الجديد .
كان النظام وقتها يسعى لتثبيت سلطانه، وتكميم الأفواه المنددة له، فمارس أشد صنوف التعذيب والتنكيل بمعارضيه، حتى يصمت البقية وتمضي المسيرة، وقد كان إلى حد كبير، ما سعت إليه، سيما أن معتقلات النظام في ذلك الوقت شهدت صنوفاً من التعذيب والقتل للمعارضين، كان أولهم د. علي فضل، وطريقة القتل البشعة التي تعرض لها، وظلت الحكومة على ذات المنوال، بعد أن اخرست الأصوات العالية ضدها، واحكمت زمام القبضة لثلاثين عاماً، وعندما، شعرت باهتزاز عرشها، مضت في ذات النهج، بشكل سافر كان آخرها الشهيد المعلم أحمد الخير الذي زلزلت وفاته أركان النظام، لتتشابه بذلك قصته والدكتور علي فضل، مابين اعتقالات وتصفيات النظام السابق، في بداياته ونهاياته. فما الذي جناه الرجلان لكل ذلك؟
ثمن الكلمة
لم يكن د.على فضل يعلم أنه سيدفع روحه ثمناً لممارسة العمل السياسي يوماً ما. فقد مر بالكثير من المواقف بشأن عمله السياسي، إحدى هذه المواقف جعلته يفقد مقعده الدراسي بكلية الطب جامعة الخرطوم، ليكمل دراسته بالزقازيق بمصر. كان «علي» قبيل انقلاب ٨٩، متفرغاً لتحضير الماجستير، في طب المجتمع، ويتمتع بسيرة ذاتية ثرة بالمحطات الدراسية والخبرات العملية، لكنه صارخ في مواقفه السياسية، وعند مجيء الإنقاذ كان رافضاً لها، كما أنه كان عضواً بارزاً في لجنة تنظيم الإضراب الذي نفذه الأطباء، تنديداً بالحالة المتردية للمستشفيات، ولذلك كان مطلوباً بشدة، لكنه استطاع الاختباء، تماماً، ما جعل السلطات تلقي القبض على شقيقه، واستخدامه كرت ضغط عليه للظهور، وبالفعل قام «علي» بتسليم نفسه، مساء الجمعة ٣٠ مارس ١٩٩٠. تعرض «علي» لصنوف من التعذيب على مدار أسابيع، وفي فجر ٢١ أبريل من ذات العام، تم نقله الى السلاح الطبي، بعد دخوله في حالة إغماء، جراء التعذيب المتواصل. ووفقاً لقصته المبذولة فإن احد الأطباء عندما رآه قال إن حالته لم تكن حالة معتقل سياسي، اُحضر للعلاج، وإنما كانت حالة مشرد جيء به من الشارع. وقيدت الحالة التي كان عليها يومها، بوجود انتفاخ في البطن. وجود المثانة فارغة. وجود مساحة تسعة بوصات مربعة منزوع عنها شعر الرأس انتزاعاً. وجود جرح غائر ومتقيح بالرأس عمره ثلاثة أسابيع. وجود كدمات باحدى عينه، والعين الأخرى عليها حريق باعقاب السجائر. وبعد حوالي نصف ساعة فاضت روحه، وقام بعدها الأطباء باستخراج شهادة وفاة مزورة تؤكد إصابته بالملاريا الا ان أسرته رفضت استلام الجثمان وطالبت بالتشريح، وقامت بفتح بلاغ في مواجهة الجهاز لكن القضية لم تبارح مكانها .
طمس الحقيقة
تتشابه قضية أحمد الخير ود. «علي فضل» على نحو كبير. فاحمد ايضاً رجل سياسي ونقابي، ينتمي لحزب المؤتمر الشعبي، شارك في احتجاجات ديسمبر ٢٠١٨ داعياً لإسقاط البشير. فقام» الخير» بالتحريض على الإضراب، ما أثار حفيظة النظام الحاكم. فالموجة وقتها كانت على أشدها، كل المحاولات تبحث في كيفية تكميم الأفواه لكن الموج كان عالياً، بالإضافة إلى كسر حاجز الخوف عند الشارع، فأصبح النظام متخبطاً مشتتاً، يسعى لوأد كل من يقف أمامه. ولأن أحمد الخير احد الذين وقفوا، فقامت السلطات باعتقاله عند عودته إلى منطقته خشم القربة، لتبدأ معه محاولات أخرى لإسكاته، فمورست معه أشد أصناف التعذيب، والضرب والتنكيل، وادخال آلة حادة في دبره، وفي أثناء ترحيله لكسلا، وافته المنية في الطريق من شدة التعذيب، وقد حاولت السلطات إخفاء الحقيقة والزعم أن وفاته حدثت نتيجة تسمم، لكن اسرته رفضت ذلك وبالتشريح تبينت الحقيقة. ذات السلطات سعت لوأد الحقيقة لكن صوت الشارع كان عالياً وسقط النظام ونال قتلة الخير جزاءهم عقب الحكم عليهم.
قدراً واحداً
على الرغم من السنوات الفاصلة بين قضيتي، د. «علي فضل» والأستاذ «أحمد الخير» ، والتي تقدر بثلاثين عاماً، الا أن ثمة قواسم مشتركة كثيرة تربط بينهما. أول هذه القواسم هي أن قضية د. «علي فضل» كان الغرض منها تثبيت أركان النظام الذي كان في بداياته. كان النظام يسعى لتكميم الأفواه، ولأن صوت «علي» في نقابة الأطباء كان عالياً، ومحرضاً لهم على الإضراب، فكان لا بد من اسكاته حتى يصمت الاخرون. ذات السيناريو ارتسمت ملامحه، في قضية مقتل الأستاذ «أحمد الخير» ولكن في نهايات النظام الذي وصل مراحل من التخلخل يومها جعلته يتهاوى لافظاً أنفاسه الأخيرة، فأصبح يبطش في كل مكان، باحثاً عن محاولة للبقاء، فلم تسلم المعتقلات من المعتقلين، ومع تزايد الأعداد وخروج الناس بدأ يبحث عن وسيلة تبعث الخوف مجدداً في النفوس، فكانت الطريقة البشعة للتعذيب والتنكيل ب»أحمد الخير» الرجل النقابي الذي حرض المعلمين على الإضراب.
قواسم البدايات والنهايات والطريقة البشعة للموت، جعلت قدر الرجلين واحداً، يوشح حقبة الـ٣٠ عاماً، بالسواد يقف «علي» في بداية الحقبة، بينما يقف «الخير» في نهايتها، وعلى طول الطريق تطول القائمة، شهداء الحق والكلمة .
نهج محدد
وطوال سني مقتل د. «علي» ظل الجاني معلوماً، وهو جهاز الأمن والمخابرات الوطني، لكن محاولات طمس الحقيقة من قبل الجهاز، أفلحت في ذلك كثيراً. وعلى الرغم من أن أسرة «علي» دونت بلاغاً في جهاز الأمن والمخابرات الوطني وقتها، متهمة اياه بالضلوع في مقتله الا ان القضية لم تحرك ساكناً، تاركة غصة في الحناجر وغبناً في القلوب، أغلقت معها الملفات واودعت الأدراج، عقب تقرير مزور، يحكي ملابسات مقتله، زاعماً وفاته متأثراً بالملاريا، لكن بالأمس أظهر الله الحق وتم الكشف عن الجاني الحقيقي الذي يقبع خلف القضبان.
ولذلك فان قواسم الاشتراك بين علي والخير، كثيرة بدايات النهاية والبداية، سيناريو الاعتقال والتعذيب، وخوف الجناة من كشف الحقيقة والسعي لطمسها، عبر استخراج تقارير مزورة. ويبقى الشاهد في الأمر كله ان الحق لا شيء يعلو عليه.
وبحسب حديث المحلل السياسي وهبي السيد لـ(الانتباهة)، فإن الأنظمة الديكتاتورية والشمولية، نهجها في الحكم هو إحكام القبضة والاتكاء على جهاز مخابرات باطش قبل أي إصلاح يمكن أن تقوم به.
ويرى وهبي أن ما فعلته الإنقاذ عبر بيوت اشباحها، يحتاج لسنوات ليسطر، مؤكداً أن ما حدث لنظام البشير يؤكد أن الديكتاتورية لا يمكن أن تورث الحكم مدى الحياة. وقال يجب على الأنظمة الحاكمة أن تعي وتفهم أن البقاء في الحكم لا يكون عبر تكميم الأفواه، إنما بالتنمية والإعمار وتوفير الخدمات للشعب، وتوفير مناخ مناسب للحريات.

The post من د. علي فضل إلى أحمد الخير.. (تصفيات).. ثبتت وأخرى زلزلت أركان الإنقاذ! appeared first on الانتباهة أون لاين.