محجوب مدني محجوب يكتب: المشروع الوطني بين الممكن والمستحيل

Sudan News

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

محجوب مدني محجوب
لا أحد يختلف حول ميزة التكاتف، والتعاضد من أجل رفعة هذا الوطن.
والكل يرجو أن يلتف الجميع  حول مشروع وطني واحد.
تنعم من خلاله الأجيال، وتستثمر الموارد مثلنا في ذلك مثل جميع البشر.
تظهر فكرة المشروع الوطني من خلال مدخلين
الأول: أن يجتمع الناس جميعا من حيث الأهداف والغايات تحت راية واحدة بغرض النهوض، والرقي بالبلد، واجتماع الناس تحت مظلة واحدة هو المستحيل بعينه.
الثاني: أن يحمل كل اتجاه فكرته، وأهدافه، وغاياته ويقدمها باعتبارها هي التي تنهض بالبلد، وهذا المدخل هو الأقرب للتطبيق.
يعني أيهما أصوب، وممكن:
مظلة واحدة يجتمع تحتها الجميع؟
أم كل يحمل مظلته داخل الوطن؟
لا يتحقق المدخل الأول؛ لأن الناس جلبوا على الاختلاف، وميزة الارتباط بالوطن تكمن في تحقيق الذات، وفي السعي لتحقيق الأهداف والقناعات، وبما أن الناس كل في اتجاه، فلا يمكن بحال من الأحوال ان يتخلوا عن انتماءاتهم، ويتنازلوا عن قناعاتهم؛ من أجل ان يضمهم مشروع وطني واحد، فهذا الأمر استحالة أن يتحقق.
فلا يمكن بحال من الأحوال ان نجمع تيار الحركة الشعبية مثلا مع تيار الحركة الإسلامية من حيث الأهداف والقناعات بل ومن حيث الميول والهوايات.
اما المدخل الثاني، فهو أقرب للتحقيق مع بذل قدر كبير من الجهد معه، وهو يقوم على افتراض:
أن فكري وقناعاتي لا يمكن أن تتحقق بلا وطن، وفي ذات الوقت لا يمكن ان أمتلك هذا الوطن وحدي.
بمعنى أتحد مع الآخر من أجل الحفاظ معه على الوطن الذي لا يمكن أن أحافظ عليه وحدي، وفي ذات الوقت أنافسه على أن تكون فكرتي هي التي تقود الوطن.
فيجتمع تيار الحركة الشعبية مثلا مع تيار الحركة الإسلامية لا من أجل تحقيق أهداف واحدة؛ لأن أهدافهم أصلا مختلفة.
فكيف يجتمعون على تحقيقها؟
من وجهة نظر المدخل الثاني يجتمعان من أجل الحفاظ على الوطن، وهنا يأتي الدافع لاجتماعهم.
لأنهما لو تجاذبا، فسوف يفقدان  الوطن.
وهكذا سائر التيارات، والاتجاهات الأخرى.
كل واحد منهم يحافظ على الوطن بعدم اعتراضه على وجود صاحبه، وألا يعمل على ذلك،
فأنا أقبل بوجود غيري المختلف عني لا أقبله من أجل أهدافه وقناعاته هو، لأن أهدافي وقناعاتي تختلف عنه.
أقبل به  من أجل الحفاظ على الوطن.
ففي الحفاظ على الوطن هدف لي، وهدف له، وهدف للجميع.
فكلما اختلفت مع غيري يمكن أن يصل هذا الاختلاف إلى مداه من حيث الأهداف، والبرامج، ولكن لا يتعدى إلى حد  إخفاء غيري من الوجود؛ لأن إخفاءه يعني إخفاء الوطن إذ أن نسيج الوطن ليس مني وحدي، وإنما مني ومن غيري.
بهذا المدخل الثاني يمكن أن نحقق مشروعا وطنيا نتفق فيه على الوطن، ونختلف فيه على الأهداف.
يصل اختلافنا إلى أعلى درجة مع حرص كل واحد منا على بقاء الآخر، فبقاؤنا من بقاء الوطن، ونسف بعضنا لبعض نسف للوطن.
من يظن انه يستطيع ان يجعل جميع التيارات، والكيانات السياسية تحت راية واحدة وعرش واحد فهذا ضرب من المستحيل.
وكذلك من يريد ان تكون رايته هو وحده الموجودة؛ ليستظل الجميع من تحتها وينسف بقية الرايات، فهذا أيضا غير ممكن ولا يتحقق.
الواقع والمنطق يقول ان الوطن يمكن ان يجمع المختلفين على ان تعمل كل كياناته على الحفاظ عليه، وفي ذات الوقت يدعم كل كيان الفكر الذي يتبناه.
فلا هو يقبل بالآخر بأن يكون معه في فكر واحد، ولا هو يرغب في أن يتخلص منه؛ لأنه إذا تخلص منه تخلص من الوطن، وإذا فقد الوطن فقد كل شيء.
من خلال المدخل الثاني نستطيع أن نتعايش مع بعضنا البعض رغم اختلافنا، ونحافظ على وطن واحد يضمنا جميعا رغم اختلاف كياناتنا.
الشعب يختار بعد ذلك التيار الذي يريد، ويستمر التنافس. كل يدعم اتجاهه؛ ليقنع به الشعب، وبذلك يتشكل المشروع الوطني؛ ليكون الوطن حق الجميع، ويكفل الجميع، ويسع الجميع.
الفكرة الصحيحة، ولو بدأت صغيرة سوف تنمو وتقوى مع الأيام من خلال اكتشافها ورعايتها.
اما الفكرة الخاطئة مهما هولت، وعظمت، ومهما صورت صحيحة إلا أنها تاتي في لحظة تختفي، وكأنها لم تكن موجودة.

The post محجوب مدني محجوب يكتب: المشروع الوطني بين الممكن والمستحيل appeared first on الانتباهة أون لاين.