عودة إلى «كيف يعمل مكتب حمدوك؟» ودرس آخر في الإدارة العلمية

Sudan News

بقلم: بروفيسور أحمد حسن الجاك

طرح هذا السؤال الأستاذ محمد عثمان إبراهيم في الوسائط الاجتماعية يوم 7 أبريل. وقام بالإجابة علي سؤاله في مقالة من (11) صفحة.
1. بما أن للوجهاء (عمدة / ناظر قبيلة / مدير/ رئيس/ الخ) ديوان/ مكتب يدير شئونه العامة (وفي بعض الأحيان حتى الخاصة) حق للسيد/حمدوك أن يكون له مكتب. في رسالتي (14) هذه أريد ان أسرد (بصورة مختصرة) كيف كانت دواوين /مكاتب /وزارات رؤساء الوزراء في السودان.
1.2 أتبع السودان النمط البريطاني في تنظيم وإدارة كل أشكال الحكم المدني (حتى المؤسسات النظامية) وذلك بحسبان أن السودان كان عملياً مستعمرة بريطانية / وعليه عند قيام أول حكومة وطنية عام 1954
أنشئت الأمانة العامة لمجلس الوزراء، وكانت تعرف حينئذ بسكرتارية مجلس الوزراء.

2. مع التوسع الذي تم في الجهاز التنفيذي خلال عقد السبعينات والنصف الأول من الثمانينات توسعت اختصاصات الأمانة العامة لمجلس الوزراء لتشمل بالأضافة لأعمال سكرتارية مجلس الوزراء واللجان المنبثقة عنه وحفظ مضابط المجلس وتدوين قراراته وتبليغها للجهات المختصة وتوفير المعلومات
وإعداد الدراسات (بالإستعانة مع الجهات الحكومية) التي يحتاجها مجلس الوزراء ومتابعة تنفيذ القرارات والتوجيهات الصادرة من المجلس مع الإهتمام بمعرفة ما تم تنفيذه والصورة التي تم بها التنفيذ.

2.1 خلال الفترة (أبريل 1986 – 1989) توسعت صلاحيات الأمانة العامة فأصبحت تمثل الذراع التنفيذي لأعمال مجلس الوزراء وحلقة الوصل بين وحدات الجهاز التنفيذي المختلفة.. كما إكتسبت صلاحيات أخرى.

2.2 خلال الفترة (يونيو 1989 – ديسمبر 1918) أصبحت الأمانة العامة كيان أكبر حجماً وتشعبت اختصاصاتها /صلاحياتها (سكرتارية / تنفيذية/ إشرافية/ رقابية/ استشارية / إعداد دراسات …الخ) هكذا يمكن أن نقول عن الأمانة العامة وهي تقوم بكل هذه الاختصاصات/ المهام إضافة للبعد البيروقراطي بعداً تجديداً يتمثل فيما يمكننا أن نطلق عليه “مجموعة تنظير/ تفكير.. Think Tank”.

3. مكتب حمدوك؟ فور توليه منصب رئيس الوزراء (أغسطس 2019) انشغل حمدوك بتأسيس مكتب/ ديوان بشكل منفصل
عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء وذلك في مرحلتين: المرحلة الأولى لتكوين الديوان/ المكتب، ما أصبح يعرف ب ” شلة /جماعة المزرعة” (وهي مجموعة اصدقاء حمدوك عملوا معه أثناء فترة عمله بالأمم المتحدة أو تعرف عليهم/ الموظفين الأمميين/ الدوليين)، (كما سنوضح لاحقاً أن هذا “الأعجاب” لمثل هؤلاء الموظفين “والازدراء” للكوادر المحلية من جانب حمدوك دفع ثمنه حمدوك اولاً والوطن غالياً).

من أهم سمات هذا المكتب:
3.1 الغياب التام لأسس اختيار العاملين به (التحقق من المؤهلات وسلامة السيرة الذاتية).
3.2 الغياب التام لتحديد مهام /اختصاصات الأفراد.
3.3 عدم توفر المعلومات العلمية الكافية لإتخاذ القرارات. 3.4 عدم توصيل القرارات لجهات التنفيذ ومتابعتها.
3.5 عدم إشهار القرارات في وسائل الإعلام المختلفة بشكل كاف وواضح.
3.6 القيام بعمليات تعيين وفصل في عدة مرافقة حكومية (ولايات/ وزارات/ مؤسسات /بنوك) دون الاحتكام لأبسط الإجراءات التي يكفلها القانون.
3.7 عدم إتباع الأعراف لانعقاد جلسات مجلس الوزراء (تحديد أجندة الاجتماعات / توفير المعلومات لإتخاذ القرارات / توثيق القرارات /الخ).

4. المرحلة الثانية لتكوين المكتب/ الديوان وهي المرحلة الراهنة / مرحلة أعادة هيكلة المكتب /الديوان. إشترك فيها:
4.1 السفير البريطاني السابق (عرفان صادق) الذي التزم (في سبتمبر 2019) بتوفير المساعدات الفنية لمكتب رئيس الوزراء) تحت مسمي (الاتصال الإستراتيجي)!!!؟؟.
4.2 مشروع الاتحاد الأوربي (بتكلفة (7) مليون يورو). هذا المشروع يهدف لأمرين:
أ . المساهمة في الانتقال الديمقراطي وذلك “بتنمية وجودة الحكم للحصول على السلام والعدالة والمؤسسات القوية”.
ب. تقوية مكتب رئيس الوزراء.

لخص الأستاذ محمد عثمان ابراهيم تداعيات هذا المشروع في المثل البريطاني المشهور “من يدفع للزمار يختار اللحن” “That who pays the piper determines the tune” الذي يعني بوضوح تام أن الاتحاد الأوربي هو من سيختار الأشخاص الذين سيعملون بمكتب رئيس الوزراء ويدفع أجورهم باليورو ويراقب /يتابع اداءهم بما يوفرون له من تقارير ومعلومات الخ… عليه تم تحديد المهام التي سيقوم بها الموظفون بمكتب رئيس الوزراء (وبالتالي تم تحديد مؤهلاتهم التي عند الوقوف عليها سيتضح لك جلياً أن مكتب رئيس الوزراء سيصبح هيكل/جسم تنظيمي موازي للهيكل التنظيمي للخدمة المدنية)، “وضع الحافر علي الحافر” بمعني أن الإتحاد الأوربي لا يريد أن يتعامل مع الجهات الحكومية الرسمية بل مع الموظفين الذين عينهم في مكتب رئيس الوزراء ودفع مرتباتهم غني عن القول ان مثل هذا الفعل لا يندرج تحت مشروع إعادة هيكلة المكتب ولا يندرج تحت بند التنمية بالمشاركة وجودة الحكم للحصول علي السلام والعدالة والمؤسسات القوية “المعبر عنه نصاً” المساهمة في الانتقال الديموقراطي في السودان.

أن الذي بين ايدينا من حيثيات تبين أن مشروع الاتحاد الأوربي، والتي تنص وثيقته الأساسية على أنه استجابة لطلب مكتوب من رئيس الوزراء، لم يحقق هدف تقوية /فاعلية مكتب رئيس الوزراء اللهم إلا بما يرضي غرور الدكتور حمدوك أن “مرؤوسيه من الموظفين الأمميين /الدوليين” فيما عدا هذا فمازال المكتب في فوضى واضطراب.. وتنافس وصراعات ويكفينا شاهداً على أن المكتب لم تقوي فاعليته ولم يتحسن ادائه بالرغم من إعادة هيكلته بواسطة الاتحاد الأوربي اذ غابت عنه سمة البيروقراطية/المؤسسية في كل الأنشطة ومداولاته. وكما يقول المثل “وشهد شاهد من أهلها”.

5. أورد الاستاذ محمد عثمان إبراهيم في مقاله أن السيد حمدوك، قبل إجراء التعديلات الأخيرة في مكتبه، اجتمع مع بعض قيادات الأمانة العامة لمجلس الوزراء وأشار “إلى انه بعد مضي سنه ونصف اكتشف أنه لا يوجد رصد دقيق لنشاطه ولا يعرف موقف تنفيذ ما يصدره من توجيهات ولا توجد لديه صورة عن تقارير الأداء التنفيذي في الوزارات ولا حتى رصد او تقرير يتناول المعالجة الإعلامية في الصحف لأداء الحكومة”.. وتسأل عن لماذا يحدث ذلك؟ وأين المشكلة؟ الأستاذ محمد عثمان ابراهيم أورد أن موظفي الأمانة العامة أبلغوه: أن مكتبه خلق مؤسسات ضرار وازدواجية لي المهام وأستبعد الهياكل
البيروقراطية المتعارف عليها من أداء وظيفتها. نقول رداً على تساؤلات السيد رئيس الوزراء أنه لو أن أجهزة الحكم الثلاث (التشريعية/ التنفيذية / القضائية) قد اكتملت وقام المجلس التشريعي بسن التشريعات والقوانين التي تحكم /تضبط كل مناحي الحياة السياسة والأقتصادية والاجتماعية تشريعات لكل صغيرة وكبيرة من قبل “رمي الأوساخ على الطرق” إلى “الإعتراف باسرائيل”.. تشريعات تؤسس لدولة الحرية والسلام والعدالة كما أن المجلس التشريعي لا تنتهي مهامه / سلطاته في سن التشريعات بل تذهب أبعد من ذلك اذا تلزمك أنت يا سيادة رئيس الوزراء وجهازك التنفيذي (وزارات مركزية /ولائية /محلية ومؤسسات عامة) بتنفيذ تلك التشريعات ويحاسبك على أدائك وعلى ضوء تلك المحاسبة يستطيع ان يطيح بك وبحكومتك (ولا باكي عليك)، (وقد شهدنا مثل تلك الإطاحات في فترات الحكومات الديموقراطية في سودانا ناهيك عن الإطاحات المجلجلة في دول الديمقرطيات الكبرى!). ولو كان المجلس التشريعي قائماً منذ توقيع الوثيقة الدستورية لما كنت انت ياسيادة رئيس الوزراء في مكانك (20) شهراً تأتي لتسأل الأسئلة الواردة في الفقرة (5)!

لو كان المجلس التشريعي قائماً لأخضع كل وزرائك للمحاسبة (في التشكيلة الأولى) لفشلهم الذريع في توفير كل مقومات الحياة الإنسانية (الاحتياجات الفسيولوجية).
كنت قد كتبت في رسالة سابقة أن الضنك الذي عاشه المواطن في عهد الحكومة الانتقالية لم يسبقه حال و أدعو أن لا يتكرر. لو كان المجلس التشريعي قائماً يا سيادة رئيس الوزراء لما ألغيت وزارة (الامانة العامة) شؤون مجلس الوزراء واستبدلتها بمكتب قائم على “شلة /جماعة” أصدقاء! ما كان يمكنك فعل ذلك لو كان المجلس التشريعي قائماً لأنه هو المسؤول قانونياً عن إجازة الهيكل التنظيمي للجهاز التنفيذي (من ناحية عددية وسلطات ومسؤوليات وموازنات)، يقول المثل السوداني (العرجاء لي مراحها)، فقد أتيت تشكي قصور واخفاقات مكتبك إياه لنفس الأمانة العامة التي ألغيتها لم يشفع لها تاريخها (أنشئت عام 1954) وما اكتسبته من خبرات مكنتها من التعامل مع الجهاز التنفيذي الذي تضخم وتعقد خلال تلك الفترة، من باب التخفيف على النفوس على نهج مقدمي البرامج التلفزيونية – يمكننني أن أهديك أغنية “بعد ايه جيت تبكي؟؟!”…

نخلص يا سيادة رئيس الوزراء بالقول دعنا نعترف بأنك “خبير أممي” حققت نجاحات في مشاريع دولية في بعض الدول الأفريقية ولكن يا سيادتك إدارة دولة شيء غير، دولة كانت مصنفة في قمة الدولة “الفاشلة”، دولة خرجت لتوها من حكم ديكتاتوري حكمها ثلاثين عاما، دولة طمع في حكمها “مليشيات” داخلية “ودويلات” خارجية؟! نعترف أنك صرت رئيس وزراء وأحبك الشعب ليس لأي إنجاز قمت به وشكرك “شكراً حمدوك” لأنه شعب عاطفي/ انفعالي لدرجة عالية وشكرك لأنه “تعشم فيك” ألا لو كان المجلس التشريعي قائماً منذ بدايات الفترة الانتقالية لما شفعت لك “خبراتك الدولية” ولا هتافات “شكراً حمدوك” نذكر بمليوينة “جرد الحساب”.
إني لأعجب أن التحالفات السياسية التي أسقطت نظام الإنقاذ وتوافقت على اجازة الوثيقة الدستورية (رغم مثالبها) أعجب لماذا أخفقت/ قعدت عن تكوين المجلس التشريعي؟!؟ هل نصدق ما ظل يردد بقوة أن القائمين على أمر الفترة الانتقالية حالياً هم من يعرقلون قيام المجلس التشريعي لكل منهم أهدافه / مصالحة الخاصة ولكن يجمعهم هدف مشترك.
في نهاية الرسالة نقول لابد من العودة إلى منصة انطلاق الثورة (نرجو الرجوع إلى المذكرة الموسومة “العودة إلي منصة انطلاق الثورة “الموقع عليها دكتور/ مصطفى عوض الكريم بتاريخ 7/أبريل/2021) وذلك ليستقيم الحال جذرياً ويتحقق شعار ثورة ديسمبر 2018.