في الذكرى الثانية إعتصـــــــام 6 أبريــــــــل.. (ملحمة) أربكت الأجهزة الأمنية

Sudan News

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

تقرير: هبة محمود

لم يكن السادس من أبريل ٢٠١٩م كسائره من الايام، كما لم تكن الدعوة لمليونية تتزامن ورمزية ثاني انتفاضة شعبية بالبلاد أطاحت بالرئيس الأسبق جعفر نميري ٨٥، كغيرها من الدعوات.
حالات الترقب والمخاوف وقتها بلغت أوجها، وذلك منبعه أن الدعوة كانت للوقوف أمام القيادة العامة للجيش لتفويضه لاستلام السلطة، رغم معرفة الولاء القاطع للرئيس، مما يحتم عليه أي ــ الجيش ــ منع أية محاولة للاقتراب وأن كان بالدم، سيما أن فترة الاحتجاجات شهدت قمعاً دموياً للمتظاهرين. فما أن بدأت الشمس تنتصف السماء وتشتعل حرارتها، حتى بدأت الأصوات تتعالى والجموع تتقاطر في العاصمة الخرطوم نحو محيط القيادة العامة للقوات المسلحة، تلبية للدعوات التي اطلقها تجمع المهنيين لمليونية استنهاض الجيش وتسليمه مذكرة تدعوه لاستلام السلطة. وقتها لم يخطر بمخيلة الرئيس المعزول (عمر البشير) وهو يعقد اجتماع اللجنة الامنية العليا، أن هذه الدعوات ستسدل معها الستار على سنوات حكمه الطويلة في السودان، كما لم يفكر أيضاً ولو لبرهة واحدة أن هذه الوقفة ستتحول لاعتصام، وان المتبقي له على سدة الحكم خمسة أيام لا غير، فكم كان مؤمناً وقتذاك ومتكئاً على اجهزته الأمنية وقواته المسلحة وحزبه القوي، وهو يطلق تشديداته على أن الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحكم هي صناديق الاقتراع ولا شيء دونها، وكذا تهديداته قبل أن تنحاز الأجهزة الأمنية للشعب، لتغيب بذلك شمسه وشمس حزبه إلى غير رجعة، وتنطفئ معها أنوار القصر الرئاسي الجديد وتتأهب بعدها البلاد للدخول في مرحلة جديدة قوامها شراكة بين الساسة والعسكر.

تحدٍ وحرج
كانت المؤشرات يومها تنبئ بمزيد من الدماء، سيما أن فترة الاحتجاجات شهدت توعدات من قيادات المؤتمر الوطني، بدءاً من (البشير) نفسه مستمداً قوته من جهاز استخباراته القمعي القوي الذي عرف عنه قوة وصلت حد البطش وتكميم الافواه، وهو ذات الشيء الذي عرف عن نظام الرئيس الراحل جعفر نميري، الا انه ــ اي البشير ــ لم يخطر بباله أن اجهزته الأمنية ستكون القشة القاصمة لظهره، وان بضعة ايام من الاعتصام ستكون فاصلاً بين حكومته وعهد جديد اراده الشعب عندما قال كلمته (تسقط بس).
مليونية السادس من ابريل التي جاءت بالتزامن وذكرى انتفاضة السادس من أبريل ١٩٨٥ التي أطاحت بالرئيس الأسبق الراحل محمد جعفر نميري، جعلت الرهان على الجيش يومها منقسماً لاثنين، ما بين متفائل بانحياز القوات المسلحة ومتشائم، لجهة أن جميع جنرالات الجيش وقادته موالون للبشير ومنحازون له، سيما أنه القائد الأعلى للقوات المسلحة، فضلاً عن أن سياسة التمكين والولاء التي درج عليها النظام السابق تضع (فرقاء) و (لواءات) المؤسسة العسكرية في خانة الحرج، ولكن كان التحدي أكبر رغم الوعيد والتهديد.
ما الذي حدث؟
في تلك اللحظات كانت الكثير من علامات الاستفهام حيرى بشأن ما حدث، والتساؤل الأبرز كان حول ما يدور خلف الكواليس وما الذي جعل المنطقة العسكرية ذات الحساسية والخصوصية العالية مشرعة ومتاحة للثوار. وقتها بدأت أصابع الاتهام تصوب نحو جهاز الأمن بحياكة مؤامرة ضد النظام واسهامه في جعل الثوار يدخلون في ساحة القيادة. وبحسب شهود عيان تحدثوا لـ (الإنتباهة) فإن يومها كانت كل الطرق المؤدية للقيادة العامة على قدر عال من التأمين، وتعرضوا لعمليات اعتقال وزج بهم داخل (دفارات) جهاز الأمن، وما هي لحظات حتى تم الإفراج عنهم والسماح لهم بالمغادرة.
احد هؤلاء الشهود حكى لـ (الإنتباهة) انه تعرض لضرب شديد على رأسه عقب اعتقاله من قبل الجهاز وهو في طريقه لميدان القيادة بحسب جدول تجمع المهنيين، وتم رميه داخل دفار وابشع الاساءات تخرق أذنيه، فقال: (كنا مجموعة من الشباب تتراوح إعمارنا، وتم التحفظ علينا داخل دفار تابع لجهاز الأمن بالقرب من محيط القيادة، وكان يتم ضربنا وسبنا واتهامنا بالعمالة والتخوين وعدم معرفة مصلحتنا، واستمر الحال قرابة الساعة، ثم نتفاجأ بان يتم الإفراج عنا ومطالبتنا بالنزول، وأصبحنا في حيرة من أمرنا، وماهي إلا لحظات حتى اصطف أفراد جهاز الأمن على جانب الرصيف مكتوفي الأيدي، ينظرون إلينا وإلى جموع الشباب ونحن نتجه نحو القيادة.(
إفادات شهود العيان هذه تقابلها تصريحات للقيادي بحزب البعث السوداني محمد وداعة الذي كشف عن اتفاق مع مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني الأسبق صلاح عبد الله قوش وقوى إعلان الحرية والتغيير، بفتح الجهة الغربية للقيادة العامة وتمكين الثوار من الوصول إليها، غير أن هذه التصريحات لاقت استهجاناً واسعاً من قبل قوى الثورة التي دحضت وجود أي اتفاق.
مخاوف
وبينما هتافات الثوار تشق عنان السماء عقب دخولهم ساحة القيادة العامة وكان أكثرها وضوحا شعار (اي كوز ندوسو دوس)، بدأت ضربات بعض قلوب قادة المؤتمر الوطني في الارتفاع شيئاً فشيئاً، فالأمر ليس عادياً بالنسبة لهم. وشيء من القلق بدأ يعتريهم ومخاوف يشوبها الحذر بشأن التدافع الكبير للثوار، في سابقة تعد الأولى في حكمهم الذي أخذ الناس بالقوة والجبروت، فالضجيج لا يهدأ والهتافات لا تنقطع، والأصوات تتعالى والشباب يتدافعون من كل اتجاه، في وقت كانت فيه قيادة القوات المسلحة تدرس كل الخيارات الممكنة للحفاظ على لحمة الشعب ووحدته، وهي تعلم أن البشير ما عاد بالإمكان مكوثه أكثر على سدة الحكم عقب موجة الرفض الكبيرة له التي لم تشهد البلاد مثيلة لها الا في أبريل ٨٥م، غير أن قادة الجيش وجدوا أنفسهم أيضاً أمام محك آخر، وهو ما هي الجهة التي تقود الشباب وماهي العواقب والمخاطر وكيفية تجنب البلاد الفتن، وقبل أن تستمر موجة التساؤلات كثيراً وجدوا أنفسهم حماة ومضيفين لثوار يطالبون بعهد جديد سمته الحريات ومحاربة الفساد والحفاظ على المال العام والالتحاق بمصاف الدول المتقدمة وغيرها من مطالب مشروعة.
جدلية قوش
جدلية قوش ودوره في الاعتصام واتفاقه مع القوى السياسية بشأن فتح تمكين المعتصمين وإسقاط النظام، أسدل ستارها نائبه الفريق أول أمن جلال الدين الشيخ الذي نفى في حواره مع (الإنتباهة) فتح قوش الجهة الغربية للقيادة وان قوة الثوار الجمتهم وقتها.
تصريحات الشيخ يؤكدها الرئيس الفعلي لتجمع المهنيين د. محمد يوسف المصطفى الذي وصف يوم السادس من أبريل بالملحمة التي أربكت النظام.
وقال المصطفى لـ (الإنتباهة) إن صمود الشباب هو الذي كسر إرادة القوات الأمنية التي أرادت قمعهم بالقوة، مؤكداً أن السادس من أبريل يؤكد رغبة الشعب السوداني المستمر في رفض الدكتاتورية.
ويرى مراقبون أن أهم ما ميز ثورة ديسمبر انها استطاعت كسر الخوف لدى الشباب الذين لم تستطع تهديدات البشير بقمعهم اثناءهم عن قضيتهم، الأمر الذي رفع مؤشرات القلق لديه، وبدأت التساؤلات تقفز إلى رأسه حول الذي سمح للمحتجين بدخول محيط القيادة، ولماذا لم تجد تهديداته نفعاً.
ورغم تساؤلاته وما يعتمل في نفسه يومها، يظل الشاهد في الأمر كله ان الاحتجاجات التي كانت تشهدها البلاد لم تكن كسابقتها، بل يقودها تجمع المهنيين الذي ظل قادة المؤتمر الوطني يصفونه بالرمال المتحركة التي تقود الشباب نحو المجهول، فلم يكن ذلك المجهول سوى ساحة القيادة العامة التي وصلوا اليها وهم يرددون هتافات (جيش واحد شعب واحد)، ليسدلوا بعد خمسة ايام الستار على حقبة ثلاثين عاماً من حكم البشير.

The post في الذكرى الثانية إعتصـــــــام 6 أبريــــــــل.. (ملحمة) أربكت الأجهزة الأمنية appeared first on الانتباهة أون لاين.