ثوار الليل.. «الكتابة على الجدران».. ملاحم سرية

Sudan News

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

اعداد: رندا عبدالله
تقدمت مجموعة من ثلاثة شباب في جنح الليل الحالك، يحملون (علبة بوهية) و (فرش)، كانت خطواتهم تتسم بالحذر وهم يتلفتون يميناً وشمالاً خوفاً من تتبع أجهزة الأمن لحركتهم السرية، لكنهم اتجهوا بخطوات واثقة نحو جدران المنازل في أحد الشوارع الرئيسية وهم يكتبون باللون الأحمر ( تسقط بس)،

كانت هذه هي البداية الفعلية لشباب المقاومة.
(٢)
وكان ظلام الليل داعماً وأحد العوامل التي شاءت أقدار الله أن تشارك بفعالية في ستر النشاطات التي ساعدت على هبة ديسمبر في ظل الرقابة الأمنية وتداعياتها المرعبة في الاعتقال والقتل والتعذيب.
وأكد عبدالله عبدالحميد عضو لجان المقاومة السودانية أن العبارات المكتوبة على الجدران نفذتها لجان المقاومة، التي قال إنها كانت موجودة في الأحياء والمناطق كخلايا قبل أن يتم تقنينها، وقال إن بعض منظمات المجتمع المدني والمنظمات النسوية مثل ( منسم) وغيرها ساهمت في الكتابة على الجدران،

ولكنها كانت تستهدف الأماكن القريبة في الأحياء.
وحول كيفية التنفيذ كشف عبدالله أن الشباب كانوا يعملون فى أوقات غير معلنة بحسب تعبيره تجنباً لعيون أجهزة النظام الأمنية حتى لا ترصدهم كتائب الظل الأمر الذي قد يؤدي بهم الاعتقال أو الاغتيال، مشيراً إلى أنهم كانوا يتحركون في مجموعة تضم من حوالى (٤) إلى (٦) شباب في حوالي الساعة

الواحدة بعد منتصف الليل لأن ( الليل غطى الجبال) بحسب قوله، وأشار إلى أن الشباب كانوا يوزعون المهام بينهم حيث. يتفرغ بعضهم للكتابة بينما يقوم البعض الآخر بعمل الحماية من الأجهزة الأمنية التي تعمل على مدار( ٢٤) ساعة، وأكد أن أبرز العبارات التي كانت تكتب حينها ( تسقط حكومة العسكر)

وأشار إلى استخدام أقلام ( الشيني) في الكتابة، غير أن استخدام التباشير والفحم كان بشكل أكبر، بجانب استخدام البوهية أيضاً ويستهدفون الكتابة في المساجد والأسواق والمدارس لرفع درجة الوعي لدى الناس وتنبيههم بالحراك الموجود
(٣)
من جانبه أكد المحامي حاتم الياس لـ (الانتباهة) أن كتابة الشعارات السياسية على الجدران قديمة في السودان منذ أيام الاستعمار، مروراً بعهد الرئيسين إبراهيم عبود وجعفر نميرى.
وأفاد حاتم الياس قائلاً : في البداية اشتهر الشيوعيون في عهد جعفر نميرى بالكتابة على الحوائط حيث كان الحزب يلجأ للكتابة على الجدران لحث الشعب على مقاومة نظام نميري وأبان أن الحزب كان مطارداً ومحظوراً، وكان الناس يستيقظون في الصباح بشكل اعتيادي ليجدوا كتابات تدعو الجماهير

للثورة على نظام مايو موقعة باسم الحزب الشيوعي وذلك لظروف العمل السري للحزب الشيوعي والأحزاب عموماً، ووصف حاتم الياس ذلك لما سماها مغافلة الحزب الشيوعي للأجهزة الأمنية حيث كان الحزب متمسكاً بأن يكون موجوداً في الساحة وكان يفاجئ الأجهزة الأمنية .
وأضاف حاتم الياس في حديثه لـ (الانتباهة) أن العمل السري للحزب الشيوعي كان مصدر إعجاب وتقدير لما يحيط به من غموض وقدرة على الاختفاء، ثم كانت السلطات المحلية لاحقاً فى صباح اليوم التالي تلجأ إلى مسح الحوائط، وأضاف الياس لاحقاً في الثمانينيات وحتى سقوط نظام نميري اشتهر حزب

البعث العربي بالكتابة على الجدران.
وفي السياق أوضح حاتم أن الكتابة على الجدران كان من المهم فيها اختيار مواقع ومنازل على الشارع العام، وتتم فى حوالي الثالثة صباحاً، حيث تتم الكتابة في الثالثة صباحاً بينما الناس يغطون فى نوم عميق، وقال كانت تسود روح التسامح لظروف العمل السياسي السري ولذلك لم يحدث أن اشتكى

المواطنون من الكتابة على جدرانهم بل كانوا ينظرون إليها كأنها (قلادة نضالية) شاركوا بها فى عمل المقاومة.
وكشف الياس أن الكتابة على الجدران استمرت في عهد الإنقاذ من منظومات سياسية وأحزاب ومعارضين ناقمين على النظام، وعندما ظهرت لجان المقاومة التي أسقطت الإنقاذ تولت الكتابة وتحريض المواطنين على اسقاط النظام، مشيراً إلى أن المحاكم السودانية لم تشهد طيلة التاريخ شكاوى للمواطنين من

تشويه منازلهم أو مبانيهم جراء الكتابة عليها والمطالبة بالتعويض وأرجع ذلك إلى أن ظروف القهر السياسي والقمع والمطاردة كانت تخلق حالةً من التضامن الجماعي بين الناس..

The post ثوار الليل.. «الكتابة على الجدران».. ملاحم سرية appeared first on الانتباهة أون لاين.