سد النهضة يتجه بالنيل إلى طريق مسدود

Sudan News

 

 

جعلت إثيوبيا منطقة حوض النيل أشبه بالمدينة العائمة، وذلك امر لا يأتي باستقرار أو تنمية يمكن أن تطمح إليها لأن سلوك الدولة هناك متعال واستفزازي بصورة لا تسمح بتمرير حلول وسط أو يمكن معها احترام حقوق الآخرين في الحياة.
كل ما تفعله إثيوبيا حاليا مناقض وبشكل سافر لاتفاقية 1902م مع السودان، وإعلان المبادئ في الخرطوم عام 2015م مع السودان ومصر، وفي الحالين نسفت الاتفاقيتين بجرأة بائنة لا تتفق مع قواعد وأعراف السلوك الدبلوماسي والجوار.
نسفت إثيوبيا اتفاقية 1902م ببناء سد النهضة دون الرجوع للسودان، وذلك يتماس مع قضية الحدود في الفشقتين، حيث اعترفت بحدود السودان والذي إذا تعامل مع سد النهضة كنقض للاتفاقية فذلك يعزز الموقف الإثيوبي في عدم احترامه واعترافه بالحدود التي تضيف الفشقتين للسودان.
بالنسبة لإعلان المبادئ فهو ثلاثي، وأول إخلال فيه هو ضرورة رجوع إثيوبيا للسودان ومصر في التعبئة الأولى، وذلك لم يحدث ما يعني نسف الاتفاقية ليصبح السد عملا غير مشروع، ولا يحظى باعتراف دولي، وفي حال الاستمرار فيه يمكن للدولتين المتضررتين استخدام كل الخيارات المتاحة لحفظ حقوقهما.
عمليا، أخلّت إثيوبيا بكل بنود إعلان المبادئ واتبعت ذلك بجرأة كبيرة على تحدّي السودان ومصر في مواصلة بناء السد، وإعلان موعد التعبئة الثانية، وبذلك أصبح الوضع حالة إعلان حرب مع انقطاع التواصل الدبلوماسي بين البلدان الثلاثة.
التطور الأخير، بتوجيه الاتحاد الإفريقي الدعوة للدول الثلاث، للاجتماع في كنشاسا، على مستوى الخبراء باستضافة من رئيس الكونغو فيليكس تشيسيكيدي، الذي تولى رئاسة الاتحاد الإفريقي، لن يقود إلى تسوية أو حل سلمي تفاوضي للنزاع.
إثيوبيا لا ترغب في الوساطات سواء من الاتحاد الأفريقي أم الأوروبي، لأنها ببساطة ستبدأ بإيقاف أعمال السد تمهيدا وتخفيفا للضغط على أي عملية تفاوضية، إذ لا يمكن لمتفاوضين أن يجلسوا إلى طاولة مع طرف يعتقد أن له كامل الحق في أن يفعل ما يشاء بثمانين في المائة من مياه النيل لأنها تنبع من بلاده.
القناعات الإثيوبية في النيل الأزرق وهو المصدر الأساسي للمياه، تقف حاجزا أمام التفاوض، ومع أن إعلان المبادئ في الخرطوم أصبح حبرا على ورق، وتأكيد رئيس الوزراء الإثيوبي في القاهرة أن السد لن يضر مصر وبالتالي السودان، إلا أن ذلك لم يحدث مطلقا.
لا شيء يمكن أن يوقف إثيوبيا عن إكمال بناء السد، ليست اتفاقية 1902م أو إعلان 2015م، أو وساطة الاتحاد الأفريقي، وفي كل جولات التفاوض الماضية تلاعبت إثيوبيا بالزمن وخصميها.
تقترب إثيوبيا من موعد التعبئة الثانية، وذلك يعني سياسة أمر واقع لأنها من جهة تتحدّى في هذه القضية التي تعدّها وطنية بامتياز، ومن جهة ثانية تضغطها التفاصيل الفنية في أعمال الإنشاء بحيث لا يمكنها أن تتوقف أو تجمّد الجدول الزمني للسد، فهي متورطة فنيا وتشغيليا وتمويليا.
بما أن هواجس ومشاغل السودان ومصر لا تعني إثيوبيا، فبالضرورة ألا يعني هذا الطرفين التورط الزمني والتمويلي والمبدأ الوطني في هذا السد الذي تحول إلى كارثة يمكن أن تقود إلى نفق مظلم لا تجد فيه إثيوبيا كهرباء أو تنمية.
السؤال: هل يمكن أن تجعل إثيوبيا المضي في بناء السد خيارا صفريا لها أو للسودان ومصر؟ ذلك حدث فعليا، ومفاوضات الكونغو لن تصل إلى تطور يتعامل مع مشاغل البلدين باحترام، لأن إثيوبيا أغلقت باب المشاركة في إدارة السد من منظور السيادة الوطنية.
الخيار الصفري ينبغي أن يتحول إلى الطرف الواحد الآن، إما أن يتوقف ويتفاوض بصورة تحترم حقوق الآخرين، أو ليس من فرصة غير أن يستمر النهر في مجراه إلى وجهته وكأن السد لم يكن شيئا مذكورا.
لا يمكن للسد أن يكون ضغطا إثيوبيا على اليد التي توجع السودان ومصر، أو كرتا رابحا في الحصول على حصة الأسد في المياه دون اعتبار للاتفاقيات التاريخية التي لا يمكن فتحها بالمزاج الإثيوبي وإعادة كتابتها بمنطق الإملاء.
أمام هذا الوضع المأزوم، وبعد انتهاء جولة كنشاسا، ولن تنتهي إلى حل، على الأطراف المتضررة أن تستعد للأسوأ الذي لا يمكن تجاوزه إلا بعودة صادقة وواقعية للطرف الإثيوبي إلى إعلان المبادئ واحترام دولتي المصب وحقوقهما في مياه النيل، عدا ذلك يستمر اللعب بالزمن، وفرض الأمر الواقع الذي لا يحل تعقيداته إلا الخيار الأخير وهو استخدام القوة.