بنات المدرسه….اين ذهبت ست بتول؟

Sudan News

هشام الخليفه القاهرة / العيلفون ٣١/٣/٢٠٢١
تعتبر اليونان القديمة هى الأرض التى نبتت فيها بذور التعليم فى العالم فمنها برز علماء عظماء اوقدوا للعالم شموعا انارت ظلمات أوروبا وبقية أرجاء العالم القديم ففيها ظهر الفيلسوف سقراط الذى تعلم على يديه أفلاطون مؤسس أول أكاديمية للتعليم العالى فى العالم الغربى وارسطو وهو معلم الإسكندر الأكبر أشهر القواد العسكريين فى التاريخ و مبتدع مدرسة ” المشائين “.
ومن هنالك انداحت موجات العلم لتغمر العالم القديم وتتفرع افرعا مزدهرة بعد أن اقتصرت فى البداية على الفلسفة وعلم الأخلاق والرياضيات. فى السودان أول ما عرف التعليم عرف فى ” الخلاوى ” التابعة للمساجد و التى تستظل بقباب الصالحين المنتشرة فى ربوع السودان وبواديه ففى كل ” مسيد ” كانت هنالك” خلوة” لتعليم الصبية وتلقينهم ايات القرآن الكريم ومبادئ الفقه والحساب وحروف الهجاء يقوم على التعليم فيها شيخ معمم يسمى ” الفكى ” وهى مرتبة دينية لا تمنح الا لمن عرف بالتقوى والصلاح.
لم يعرف التعليم النظامى فى السودان الا بإنشاء ” الكتاتيب ” وهى جمع “كتاب” -بتشديد التاء- وذلك على يد الحكم الثنائي فى سنة ١٩٠٢م وتم إنشاء معهد يسمى ” مدرسة العرفاء ” لتدريب المعلمين على أسس التدريس والتربية الحديثة فانتشرت المدارس فى حواضر السودان وبواديه بداية بالمدرسة الأولية التى أقيمت فى ” ميدان ابو جنزير ” ومكانها الان احد البنوك . كانت القرى القريبة من الخرطوم الانطلاقة الاولى للتعليم فى البوادى ففى العيلفون مثلا بدأ التعليم النظامى فى سنة ١٩٢٠ م وكذلك فى رفاعة والكاملين وبقية أرجاء السودان المختلفة. كان المعلم مهابا يخشاه التلاميذ ويحترمه أولياء الأمور الذين كانوا لا يتدخلون كثيرا فى الطرق التى يسلكها المعلمون لتأديب الصبية .

اذكر انه قد جاءنا فى مدرسة ” العيلفون الأولية ” معلما من أبناء القرية حديث عهد بالتعليم وكان ممتلئا بالحماس والرغبة فى ضبط سلوك التلاميذ فأصدر ” فرمانا ” منع بموجبه التلاميذ من حضور مناسبات الزواج بالحفلات والصفقة والرقيص الا لاقرب الاقربين فكان يجوب القرية بحثا عن المتطفلين من التلاميذ فى مناسبات الغير ومن يضبط متخفيا أو ظاهرا فى مناسبة لا تخصه كان يضرب فى طابور الصباح ضرب غرائب الإبل وحتى الآن عندما احضر مناسبة تمتد حتى حفلة الغناء والطرب أتخيل كان سوط ذلك المعلم – رحمه الله – ينتظرني فى الصباح فاخف مسرعا بالمغادرة .
ومما خفف عنا هذا الوضع الأليم أننا سمعنا انه فى عهد سبق كان هنالك فى ام درمان معلما اصدر قانونا أشبه بقانون ” قرقوش ” الشهير فقد وضع على كل حى من أحياء أم درمان ” الفه ” يكون مسؤولا عن حفظ النظام . كان هذا الالفه يجوب ازقة الحى بعد اليوم الدراسى وكل من يضبط متسكعا دون سبب وجيه يتم عقابه فى طابور الصباح فيتوب من الصرمحة والملوحه دون مبرر وحتى لو ارسلك اهلك لشراء غرض من الدكان فعليك بالتظبيط والتربيط بالزى المدرسى وهو العمة والجلابية والجزمة وأن تمشى مستقيما كما العسكرى ثم ترجع فورا للمنزل حيث تبقى حتى الصباح وقد حمدنا الله أننا لم نشهد ذلك العهد فعلى الأقل ترك لنا معلمنا حرية الحركة بعد اليوم الدراسى جزاه الله عنا كل الجزاء فقد وضع مع آباءنا وأمهاتنا أسس الانضباط والاستقامة فى نفوسنا ونحن زغب الحواصل زهورا ندية تتفتح للحياة. فى الجانب الآخر كانت المعلمة تحتفظ بنفس الهيبة والمكانة السامية فى نفوس الجميع و ذلك بالإضافة لما كانت تتمتع به من حسن ظاهر وأناقة ولباقة وأذكر اننى أول ما رأيت النضارة الشمسية السوداء عند معلمة من صديقات الوالدة – اطال الله فى اعمارهما معا – فكانت أية فى الحسن والبهاء والجمال فكأنما عمنا ود الرضى كان قد عناها حين قال :
جالسه والهيبة حفته
تشبه الغوفه كفته
قامت وتيابها حفته
والقلوب جاته رجفته
و” الغوفه” معناها الحرير
أو فى قول شاعر اخر :
ان وصفوك يصغروا
من مديحك ناس وأن قاسوك وين
ليك يتلقى المقياس انتى مكمله وغيرك
ربع واخماس
وهكذا كانت المعلمة ذوق وأدب وحشمة وجمال ..خصال حميدة اجتمعت كلها فى شخص واحد ولكن نفس هذا الشخص الوديع الرقيق يتحول إلى انسان صارم قوى فى الوقت المناسب. هذه الصورة الزاهية ظل يحتفظ بها المعلم حتى يومنا هذا ليس فى السودان فحسب بل فى كل أنحاء العالم يستوى فى ذلك العالم الاول كما الدول النامية والدول ” النايمه ” . فى الخمسينات شدا عمنا الفنان الضخم احمد المصطفى بركات ممجدا المعلمة وجاء بعده العندليب الأسمر زيدان ابراهيم مرددا نفس الكلمات و مضيفا لها بطريقته الطريفة :
يا بنات المدرسه ست بتول المدرسه ***** ابقى كنبه انا فى الفصول ابقى تخته لى ست بتول
بينما جاء شاعر حداثى هو عمر الطيب الدوش يبحث بطريقته الفلسفية عن محبوبته فيقول : بناديها وبعزم كل زول يرتاح على ضحكة عيون فيها
و احلم انى فى اكوان
بترحل من مراسيها
ثم دار الزمان دورته وتحولت ست بتول إلى ” المس ” غير أن الصيحة ما تزال ترن فى الأصداء: يا بنات المدرسة …اين ذهبت ست بتول؟ يغنى المغنى وكل قيس يبكى على ليلاه وسلامتكم