مــذاق الحــروف

أول مالفت إنتباهي في بيان ابن عوف الاول أنه أورد فيه عبارة ( دون إقصاء لأحد) بدون أي داع لها ، وقد كتبت بعد البيان مباشرة أن هذه العبارة مريبة وتثير الشكوك ، وهي تشير الي إمكانية إستمرار الحياة في وكر الفساد المسمي بالمؤتمر الوطني ، ولم يخيب المجلس العسكري ظنوني تلك ، حيث كانت تلك العبارة هي أول مؤشرات عدم الانحياز الكامل لخيار الشعب ، وواصل بعدها المجلس محاولاته المتكررة التي لم تتوقف حتي اليوم لإيجاد مواقع في المشهد السياسي الجديد لرموز النظام القديم من الذين ثار الناس ضد سياساتهم . واصل المجلس في تصرفاته التي تثبت كل يوم أنه إن لم يكن إمتدادا للنظام القديم – فهو علي الاقل شريك أصيل له ويعمل جاهدا علي خروج عناصره بأقل الخسائر الممكنة وعلي تجنيبهم للحساب ، والأمثلة علي ذلك كثيرة لم تبدأ بفك حسابات بعض المنظمات والمؤسسات التي تتبع للنظام البائد ولن تنتهي بهروب شقيق المخلوع وعدم القبض علي صلاح قوش ثم فك حظر النقابات المهنية .
قد نتفق مع بعض الأصوات التي تطالب بعدم الاقصاء الكامل – علي الأقل للذين ساندوا النظام في بعض الاوقات ولم يكونوا جزءا أصيلا منه – شريطة إدانتهم الواضحة لممارسات القمع والتنكيل التي مارسها النظام في أواخر أيامه ، وممارسات الفساد التي ظل يمارسها طوال فترة حكمه البغيض ، وهو تصرف نشك أن تقوي عليه أحزابا كثيرة من شركاء المؤتمر الوطني ، حيث ستجد تلك الاحزاب نفسها في موقف لا تحسد عليه – لأن إدانتها لممارسات النظام البائد يوجب عليها تبرير بقائها معه في خندق واحد حتي لحظات ما قبل السقوط ، بينما عدم الادانة يشير الي الرضي التام بكل سلبيات النظام التي أنكرتها الثورة ورفضته بسببها ، وذلك يجعل مشاركة تلك الاحزاب مستحيلة لأنها بذلك تكون جزءا لا يتجزأ منه .
أكثر شذوذا من مواقف تلك الاحزاب الموالية موقف المؤتمر الوطني نفسه ، حيث سارع في أول ظهور له بالساحة الي المطالبة بالافراج عن المعتقلين من رموزه وعناصره دون أن إكتراث للاتهامات التي تم اعتقالهم بسببها ، وقد كانت الحكمة تقتضي بيانا من الوطني يحمل فيه الفساد والأخطاء التي شهدتها فترة الحكم الي ممارسات فردية لاتمثل الحزب ليحاول علي الاقل حفظ ماء وجهه إن كان به بعض الماء ، ولكن المطالبة بالافراج عنهم بعد أن تكشفت للجميع حجم ممارسات الفساد ، وكمية الاموال التي تم ضبطها في منازل بعض النافذين من عضوية الحزب يمثل إعترافا صريحا بأن الفساد هو النهج العام للحزب .
المجلس العسكري بدوره وقع في واحد من أكبر أخطائه بعدم إصداره لقرار يحل الحزب ويحظر عضويته من ممارسة أي نشاط سياسي – علي الاقل حتي الفراغ من التحقيقات مع المعتقلين من قياداته تحسبا لضلوع اخرين منهم في بعض القضايا وهو أمر واقع لامحال ، وهو تصرف لو قام به لربما قلل كثيرا من الشكوك التي تحوم حول انتماءات عناصره .

مذاق الحروف
عماد الدين عمر الحسن

المصدر: ضد الإقصاء..ولكن.. بموقع صحيفة كورة سودانية الإلكترونية.

Source: New feed

WP Radio
WP Radio
OFFLINE LIVE