مبارك الكوده يكتب: الدين ما دين الكيزان

Sudan News

الانتباهة اون لاين موقع اخباري شامل

مبارك الكوده

(الدين ما دين الكيزان) هذه المُسلَمة سمعتها هتافاً من المرأة السودانية في أحد التظاهرات المناهضة لقرارات وزير العدل أمام وزارته في قضايا تتعلق بقوانينها ،وفي المساجد والطرقات سمعتها كذلك ضد صياغة المناهج المدرسية ، ويبدو لي أن من تَولّوْا أمر هذه الثورة لم يَعُوا أن هذا الدين ( دين أهل السنة والجماعة ) ليس حكراً علي الكيزان ، إنما هو لغالبية أهل السودان ، ولاشك
أن الدين الذي يدين به الأخوان المسلمين من حيث هو عقيدة ولاهوت وأشكال للعبادة هو ذات الدين الذي يدين به المتصوفة وغيرهم من الجماعات والتنظيمات
السلفية ، وهنالك فروقات كثيرة وكبيرة بين هذه الجماعات فيما بينها وصل ببعضها حد الاقتتال في قرون مضت ، ولكن كل هذه الخلافات تصغر أمام حرمة وقدسية العقيدة التي تجمعهم مما يجعلهم يصطفون لنصرتها ، وها نحن نري حزب الامة وجماعات الطرق الصوفية والأخوان المسلمين والجماعات الاسلامية الأخري ، ومجمع الفقه الإسلامي الذي عينته الثورة نفسها ، كلهم صفاً وآحداً ضد قضية المناهج المدرسية لأنها في فقههم تمسهم جميعاً ولا علاقة لها البتة بالكيزان ، وقد شايعهم في قضيتهم هذه بوعي الساسة كثير من المفكرين والعلمانيين واليساريين
والذي يميز الأخوان المسلمين عن غيرهم من الجماعات السُنّية الأخري قناعتهم بأن الإسلام دين ودولة أو ما يسمي بالإسلام السياسي ، وبالطبع هنالك من يخالفهم من أهل السنة والجماعة في هذا الرأي ولكنهم يدينون معهم بذات عقيدة الدين السني ، وللأسف الشديد فإن قيادات الثورة بغير وعي منها أدخلت الثورة في صراع خاسر مع الإسلام السني الذي تعتقده الغالبية العظمي من أهل السودان بما فيهم الأخوان المسلمين ، وبهذا الصراع الخاسر فقدت الثورة رصيداً هائلاً من المواطنين الذين يتفقون مع الأخوان المسلمين في الدين ويختلفون معهم في السياسة ، وخسرت كذلك عدداً كبيراً من المؤسسات والمنظمات الاجتماعية والمدنية بحجة أنها كيزانية التأسيس ، وعدداً مقدراً من المساجد والتي تعتبر المنصة الاجتماعية الأولي في مدن وقري السودان والتي ظل الإسلاميين طيلة تاريخهم الطويل يحاولون احتوائها لتسخيرها لفكرهم السياسي لعظم مكانتها في نفوس السودانيين ، ولكن المساجد لتجذر علاقتها بالمجتمع رفضت وظلت عصية علي الاستقطاب ، كما ظل أغلبها مستقلاً وربما معارضاً للإسلاميين قبل أن تكون لهم دولة وبعد أن كانت لهم دوله ، مما يؤكد أن هذا الدين وهذه المنطمات والمساجد ليست للكيزان وحدهم ، ودونكم مثالاً لذلك مسجد الشيخ مهران الذي ظل معارضاً للنظام السابق ومؤيداً للتغيير ، و كان إماماً لصلاة الجمعة في ساحة القيادة العامة ومثل مهران لا يحصي ولايعد في كل بقاع السودان ٠
الاستصحاب فن لابد منه في السياسة فكان من الأوفق لهذه الثورة أن تستصحب معها في مسيرة الانتقال كثير من إشكالات الماضي ولا تشغل بالها بالصغائر عن عظائم الامور التي تواجهها ، وكان حري بها أن تجعل من فقه الأولويات هادياً لها ، وبدلاً من فتح جبهات للقتال هنا وهناك في تفاصيل تافهة لافائدة منها بل يمكن تركها مثل صورة في كتاب !! أو إرجاؤها مثل قانون مجمد لا ذكر له ولا ضرر منه !!
وفي تقديري كلما هو متعلق بعقائد الناس وعاداتهم وتقاليدهم فإنه من الحكمة والسياسة الواعية أن يرجأ للجمعية التاسيسية لتقول قولها الفصل ، وكفي بالفترة الانتقالية شر القتال لتتفرغ لقضايا الناس الحياتية والضرورية من أمنٍ ومعاشٍ وصحةٍ وتعليمٍ وعلاقاتٍ خارجية يُعبد بها الطريق لمًا بعد الانتقال ، ويظل واقع الناس الاجتماعي بما فيه دينهم وبصرف النظر عن الصحة والخطأ هو التحدي الماثل لمشروع التغيير الاجتماعي الكبير والذي ينبغي علي الثورة أن تُراعيه وتحترمه ولكي تتجاوز سيئة من القول والعمل والفكر فعليها بالتدرج مع الحكمة والموعظة الحسنة للانتقال للتي هي أحسن ، والله ولي التوفيق والسداد ٠

The post مبارك الكوده يكتب: الدين ما دين الكيزان appeared first on الانتباهة أون لاين.