الشاعر أحمد محمد الشيخ الجاغريو..رحيل بلا وداع (6-6)

Sudan News

استقبلنا في الأول من يناير يوما استثنائيا في تاريخ السودان، اليوم الذي رفرف فيه علم وطننا الحبيب فوق سارية القصر الجمهوري وانطوت صفحة من تاريخ السودان الحديث وفتحت صفحة جديدة مازال الشعب يسطر فيها البطولات تلو البطولات بالدم والعرق لم تقعده قبضة العسكر الحديدية عبر ثلاث حقب مظلمة من النهوض بعد كل كبوة والمضي قدما للامام في عزة وإباء وشمم يردد أهازيج النصر وأناشيد الفخار.
في مثل هذا اليوم أيضا من العام ١٩٦٩م صعدت روح شاعرنا إلى بارئها في سكينة ووقار كما عاشت حتى جاء القدر المحتوم. ترك الجاغريو ارثا ضخما من الشعر والغناء والطرب فقد برع في كل ذلك وابدع وقد ذكر لي الاخ الصديق السر قدور أن الجاغريو هو اول سوداني يجمع هذه المواهب الثلاث الشعر والصالحين والغناء رغم أن البعض ينسبون ذلك لغيره وما يفتيك مثل خبير. من اللباقة والبلاغة أن نذكر كما توجهنا لذلك في مناسبة سابقة انه كان (يقطع) الشعر (قطع اخدر) أي ينظم الكلام ويلحنه ويغنيه في نفس وقت الحدث وساعته نذكر من ذلك اغنية (المنديل) وقصتها انه كان يحيي حفلا في احد احياء العاصمة وقد تلألأت الأنوار وانتشرت الأزهار الجميلة وتناثرت فوق المقاعد واستبد الطرب والسرور والحبور بالجميع.
جلس شاعرنا في فاصل بين فاصلين ليستريح وعندما تحسس جيبه لمسح حبات العرق التي غطت جبينه لم يجد منديله هناك وكأنما انغرست في تلك اللحظة شوكة في قلبه فهذا المنديل عزيز هدية من عزيز . بقي واجما فترة ولكن سرعان ما طار (يونس) – شيطان شعره- من فوق الشجرة في حوش عبدالله المجاور لمنزل أبناء الخليفة بركات الحالي ليهبط على رأس الشاعر فألهمه اغنية (المنديل) شعرا ولحنا. هذه الأغنية استدعى فيها كل ارث الصوفية وتراثها ذلك الذي تشربه من البيئة التي نشأ فيها (فنده) اي استعان بكل الأولياء والصالحين في السودان ليساعدوه في العثور على (الكنز المفقود) فتنتقل القصيدة في رشاقة بين القباب التي تزين سماء السودان بسلاسة وترتيب فاختار بها الفاصل التالي وغنى كما لم يغن من قبل:
منديلي ضاع مني
والشالو ما يتنى
ما يشيل خلافو
****
يا ود حسونه الحار
يا صاحب الدردار
حبر ديرى الفي البدار
اخلوه من الدار
ما يشيل خلافو
****
ود ريا الرابعه
يا اب فيضا نابعا
سل روحو تابعا
يشيلوه الاربعه
ما يشيل خلافو
****
يا رجال اب حراز
مافيكم انفراز
هيا اطلعوا للبراز
خلوه يمشي راز
ما يشيل خلافو
****
يا الشيخ ود أم مريوم
خليهو العيش مسقوم
منديلي الما مسيوم
يبقى ليهو آخر يوم
ما يشيل خلافو
****
يا برير ويا النقر
الشالو لي ما قر
يضوق سم الدقر
وابوه يكون عقر
ما يشيل خلافو
****
دى هديه وجات تهوش
فينا وتسوى البوش
الشالو راسو يدوش
والبومة تحرس الحوش
ما يشيل خلافو
(القصيدة طويلة وهذه مقتطفات منها فقط).
ويقال ان فتاة وجدت المنديل بقرب الشاعر سقط من جيبه في غفلة منه فما كان منها إلا أن التقطته تذكارا من شاعر عظيم وللتباهي أمام الفتيات فما أن تخيلت كل هؤلاء الصالحين يتكالبون عليها استجابة لـ(نديهة) الجاغريو حتى تبلمت واسرعت فقذفت بالمنديل امامه وفرت هاربة من بيت الحفل درءا للفضيحة.
وفي (قطع اخدر) آخر كان مشاركا في حفل زواج احد أصدقائه مع فنان العيلفون الصداح (ود طه) واسمه الحقيقي عبد القادر طه فألف الجاغريو في التو والحين اغنية (تمت الأفراح) والتي يقول فيها:
تمت الافراح
واملا كأس الراح
يا الطيب اتهنى
****
الظبي النافر
لف صد وجيل
يا فطاحل بري
احذروا الجلجيل
يا حبيب اتهنى
****
إلى أن يأتي الى المقطع الذي يقول فيه:
غني يا ود طه
وزيل هموم الجيل
ويا محمد سجل
عندك التسجيل
ومحمد هنا هو العم محمد بخيت العمدة ابن العمدة وابو الاخ العمدة اسامة محمد بخيت واخوانه الكرام.
من الاغاني التي تدغدغ مشاعري وتحركها اغنية (الحجروك حبي) وفيها يقول:
الحجروك حبي
وعملوا السبب حبي
كيف ينزعوا الصوره
المرسومه في قلبي
****
يا فرحي وهناي
يا بهجتي وطربي
فيك أملي ومناي
فيك بجيد غناي
ما بعشق سواك
وين مني متخبي.
وتمضي الأغنية تصف حال العاشق الذي (انحبس) حبيبه منه بحوائط تطاولت فحرمته اللقيا ولو من على البعد. وبرغم انها لا تعبر عن حالة شخصية ولكن اعجبني تعبيرها البليغ عن مشاعر من يحب عندما لا يعرف سبيلا لرؤية المحبوب فيكتفي بتأمل الصورة التي يحملها في دواخله مرسومة على جدار القلب رسما لا ينمحي وقد فاجأني اخي وصديقي السر قدور بأن أهداني هذه الأغنية في برنامج (أغاني وأغاني) بصوت الفنان الشاب (فضل).
وفي يوم الاربعاء ١/١/٦٩ فاضت روح الشاعر إلى السماء وهو نائم لا يشكو علة ولا مرض ورحل قبل أن يودع أهله واحبابه تماما مثلما تمنى حين قال:
ذكرى المطره الشاعت
يوم الاربعاء
أريت أرواحنا ضاعت
حليله
المسبوكة ضاعت
فكأنها كانت ساعة استجابة حضرها ملك وقال (أمين) وهكذا انتهت رحلة قصيرة ولكنها محتشدة بالإبداع والفن.
اذكر ذلك اليوم كأنه حدث بالأمس ورسول الأزهري يطلب من الأهل أن يتأخر الدفن حتى نهاية مراسم الاحتفال بعيد الاستقلال يستجيبوا للطلب ثم موكب التشييع المهيب يتقدمهم الأزهري وكبار زعامات الحزب الاتحادي وأهله وأحبابه يختلط فيها عويل النساء يعرضن بالسيوف ونحيب الرجال وما أقسى أن يبكي الرجال الرجال .
انطوت صفحة ناصعة في تاريخ العيلفون كما انطوى عام مضى وأشرقت شمس عام جديد أتمنى فيه للجميع الصحة والعافية الشخصية إن شاء الله.
***
أهدي هذه الحلقات للأخ الصديق محمد عبد الرحمن الشيخ الأستاذ بجامعة أفريقيا العالمية ابن أخ الراحل وسادن تراثه وتاريخه وأنوه إلى ان الأستاذ الإعلامي الكبير السر قدور قد وجه كلمة بهذه المناسبة للأهل فى الدبيبة والعيلفون وكل أنحاء العالم في هذه الذكرى الحزينة.
*القاهرة /العيلفون