رجعونا

Sudan News

(1)
قرأت أمس، مقالاً، للإستاذ العبيد أحمد مروح، يندٌبُ فيه الوضع الذي آل اليه سودان ما بعد حكم حزب المؤتمر الوطني، ويتأسف فيه على هزيمة أشواق المواطن للكرامة والحرية والعيش الكريم، كما يتأسى على عدم وجود أسواق منظمة وأسعار للسلع مقدور عليها، ومواصلات عامة، وطرق معبدة، ووفرة في الوقود، وقبل كل شيء، الأمن والأمان.
(2)
العبيد مروح تحسر أكثر وأكثر على فشل حكومة الدكتور عبد الله حمدوك عقب 16 شهراً من ولادتها، في تحقيق آماله وتطلعاته كمواطن مع بقية المواطنين، ويؤكد أنه بدأ هذه الأيام، مسيرة التطبيع مع الظلام، وصفوف البنزين والجازولين والغاز والخبز، وكذلك التطبيع مع أكوام القمامة والبعوض والذباب، وشح الخدمات الصحية، وندرة الدواء، والتطبيع أيضا مع الرداءة والقبح.
(3)
أجد نفسي متعاطفاً تماماً مع الأستاذ العبيد مروح، وهو في تلك الحالة “التطبيعية” خاصة وأنه حديث عهد مع مثل تلك العذابات والقبح والرداءة، وفي تقديري كان على الحكومة وضع اعتبار خاص له وأن لا تحرمه من كل شيء بين ليلة وضحاها.
تعاطفي مع مروح، يتضاعق أكثر وأكثر، وهو يحاول التطبيع منذ سقوط نظام حزبه مع أزمة تخصه وحده، لم يذكرها في مقاله، وسيتبرع العبد لله للكشف عنها للقارئ الكريم، لعله يشاركنا الصلاة والدعاء من أجل أن يخرج الرجل بأعجل ما تيسر من حفرتها ويتعافى منها ليوم الدين.
فبعد سقوط الإنقاذ، فقد الرجل؛ نعمة من نعمها التي تنزلت عليه، وهو في بواكير شبابه، وواصلت فيها وهو في أعتاب الستين، فقد أتاحت الإنقاذ للرجل فرصة التمرغ في وظائف الحكومة سنة بسنة، وحملته على كفها من صحفي مغمور بصحيفة الراية، لسان حال حزب الجبهة الإسلامية، بداية إلى موظف في إدارة الإعلام باللجنة السياسية المتفرعة من مجلس إنقلاب الجبهة، ثم موظفاً بالتلفزيون، ومن ثم ضابطاً بجهاز الأمن والمخابرات، وبعدها ألحقه وزير الإعلام الدكتور غازي صلاح الدين بوظيفة عدمية في الوزارة، ثم عُين بعد ذلك، أميناً عاماً لمجلس الصحافة المطبوعات، وبعد أن إنتهت دورته في المجلس، اختير رئيساً لقسم الأخبار والشؤون السياسية بالتلفزيون الحكومي، عقب ذلك بعثته وزارتا الإعلام والخارجية، ملحقاً إعلامياً بدولة الأمارات، ثم أعيد أميناً عاماً لمجلس الصحافة، لكن هذه المرة زادته تكريماً على تكريم، بمنحه وظيفة المتحدث بإسم وزارة الخارجية، ليجمع فريد عصره ووحيد زمانه بوظيفتين في آن واحد.
(4)
ما إن استنفد العبيد مروح، فرص التوظيف الداخلية، حتى من عليه أمير المؤمنين عمر البشير؛ بوظيفة جديدة، هذه المرة، ممثلاً له بدرجة سفير في تونس الخضراء، ثم عاد للبلاد ليجد وظيفة في انتظاره على أحر من الجمر، حيث عُين مديراً عاماً للهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون، فمثله لا يمكن إبعاده من “الميري” ولو لمرة واحده.
بعدها عينته الحكومة في منصب نائب مدير هيئة الطيران المدني، وهي الوظيفة الوحيدة التي يبدو أنه لم يرتضها، فعُين في نهاية عهد النظام، وكيلاً لوزارة الإعلام.
(4)
أكثر من دستة من الوظائف الحكومية، لا يعقل بعدها حرمان الرجل وفطمه الرضاعة من ثدي الدولة، وتركه مثله ومثل أي مواطن تعذبه قطوعات الكهرباء والمياه، وقرصات البعوض، وطنين الذباب، والوقوف من الرجرجة والدهماء في صفوف الخبز والوقود، لعمري هذا لا يجوز، ويتسوجب على الثوار وعلى قوى الحرية والتغيير وحكومة عبد الله حمدوك أن تعيد كل الأمور إلى ما كانت عليه قبل 11 أبريل 2019 حتى يعود مروح وزمرته إلى نعمتهم وتنعمهم بوظائف الدولة وأموال الشعب.
(5)
قد يقول قائل أخرق وأحمق مثلي تماماً، إن العودة لما قبل 11 أبريل ستعيد البلاد إلى صفوف القهر والذل وموال الفساد ونهب أموال الشعب، وقتل الأنفس في الأشهر الحرم (وفي غيرها)، والتعذيب في بيوت أشباح النظام، ومواصلة جرائم الإبادة في دارفور وغيرها، ومصادرة الحريات والصحف التي نكتب فيها، وإعادة البلاد إلى عزلتها الدولية وتصنيفها الإرهابي، لكن كل ذلك لا يسوى شيئاً أمام أزمة العبيد مروح الآن مع طنين الذباب والعيش غير الكريم.